قدوم الإخوة في رحلتهم الثالثة بحال من المسكنة والاضطرار:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 235)جامع البيانالطبري١٦/٢٣٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: امتثل بنو يعقوب أمر أبيهم، فخرجوا إلى مصر في رحلتهم الثالثة قاصدين لقاء العزيز واستعطافه لفكاك بنيامين وجلب القوت، فلما دخلوا على يوسف عليه السلام، تذللوا له غاية التذلل ووصفوا فقرهم وحاجتهم قائلين: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ}؛ أي نالنا ونال أهلنا وعيالنا في بادية الشام الجهد والفاقة والهزال من شدة الجوع والقحط، وما بقي عندنا مال جيد، بل جئنا ببضاعة رديئة كاسدة لا تُقبل في الأسواق.
تفسير {بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} في مرويات السلف:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بضاعة كاسدة رديئة، دراهم رديئة زيوف لا تجوز في البيع إلا بنقص».
وعن مجاهد وقتادة: «بضاعة مزجاة: أي يسيرة رديئة، من الصوف والسمن وحب الصنوبر والنِعال ونحو ذلك من متاع البادية التافه الذي لا يعبأ به أهل مصر».
وقال ابن كثير (4/ 417)مصدر غير محدد٤/٤١٧: «المزجاة: هي التي يزجيها ويدفعها كل تاجر لخبثها ورداءتها، مأخوذ من الإزجاء وهو الدفع برفق لثقلها وكراهتها».
طلب الإيفاء والتصدق: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}:
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 246)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٤٦: «قالوا: أتمم لنا الكيل كما لو كانت دراهمنا جيدة وافية، وتصدق علينا؛ واختلف العلماء في معنى الصدقة هنا:
تصدق علينا بالتسامح في رد البضاعة الرديئة وقبولها بالثمن الكامل.
مسألة: هل تجوز الصدقة للأنبياء؟:
بين المحققون من أهل السنة أن تحريم الصدقة إنما هو خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبآله الشرفاء تكريماً لهم وتشريفاً؛ أما الأنبياء قبله فكانت الصدقة حلالاً لهم، أو أن المراد بالصدقة هنا الإحسان والتسامح في المعاملة لا الصدقة المحرمة على أهل البيت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الضُّرُّ
الضُّر (بالضم): سوء الحال والفقر والجدب والهزال والشدة؛ وأما الضَّر (بالفتح) فضد النفع.
مُّزْجَاةٍ
اسم مفعول من أزجى يُزجي إزجاءً؛ والإزجاء: الدفع والسوق الضعيف؛ يقال: أزجيت الشيء إذا دفعته ونحيته لقلة الرغبة فيه، وبضاعة مزجاة: يدفعها البائع والمشتري لرداءتها.
فَأَوْفِ
فعل أمر من أوفى يوفي إيفاءً، وهو الإتمام والتوفية دون بخس.
وَتَصَدَّقْ
من التصدق، وهو بذل المال أو الإحسان تقرباً إلى الله أو ترققاً للمحتاج.
"مسّ" فعل ماض، و"نا" ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
وَأَهْلَنَا
الواو عاطفة، "أهلنا" معطوف على الضمير في "مسنا" منصوب و"نا" مضاف إليه.
الضُّرُّ
فاعل مرفوع بالضمة المؤخر.
وَجِئْنَا
الواو عاطفة، "جئنا" فعل ماض وفاعله.
بِبِضَاعَةٍ
متعلق بـ "جئنا".
مُّزْجَاةٍ
نعت مجرور بالكسرة.
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ
الفاء للتفريع، "أوفِ" فعل أمر دعائي مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت، "لنا" متعلق بـ "أوف"، "الكيل" مفعول به منصوب.
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا
معطوف على ما قبله.
إِنَّ اللَّهَ
"إن" واسمها منصوب.
يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
جملة فعلية في محل رفع خبر إن، "يجزي" مضارع مرفوع والفاعل هو، "المتصدقين" مفعول به منصوب بالياء، وجملة "إن الله يجزي..." تعليلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة انكسار الكبرياء الإنساني:
انظر كيف تبدلت الأحوال؛ أولئك الإخوة الأشداء الذين كانوا عصبة وقالوا بالأمس: {نَحْنُ عُصْبَةٌ} وتطاولوا على يوسف واستخفوا به، يقفون اليوم أذلاء منكسرين يطلبون الصدقة والتفضل ببضاعة كاسدة تافهة؛ ليعلم الناس أن من استكبر بالباطل أذله الله بالحق.
الترغيب بالثواب الأخروي {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}:
توسلوا إلى قلبه بأعظم حافز يحبه أهل الدين وهو الثواب عند الله؛ ليدفعوه إلى الإحسان والتجاوز عن عيب بضاعتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة المسألة المذمومة وإراقة ماء الوجه:
قد يُقال: كيف يطلب أبناء الأنبياء الصدقة ويسألون الناس؟
والجواب الشرعي المحكم:
أن الاضطرار والمجاعة يبيحان المسألة بالإجماع؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: لذي فقر مدقع...» (رواه مسلم)، وكان الإخوة وعيالهم وأطفالهم على حافة الهلاك جوعاً؛ فلم تكن مسألتهم تكثراً أو دناءة، بل كانت ضرورة شرعية لحفظ النفس المحرمة.
تقديم المفعول به في {مَسَّنَا} وتأخير الفاعل {الضُّرُّ}:
للاهتمام ببيان وقوع الأذى بهم أولاً واستعطاف قلب المسؤول ليرق لضعفهم.
استعمال صيغة {مُّزْجَاةٍ}:
لفظة تصور حركة اليد وهي تدفع الشيء احتقاراً وزهداً فيه، مما يعكس منتهى الصدق في بيان فقرهم وقلة حيلتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة الله في إذلال المستكبرين:
من بطر النعمة واستعلى بقوته أذاقه الله مرارة الحاجة؛ والكيّس من اتعظ بغيره ولزم التواضع لله ولعباده في أيام الرخاء.
فضل الصدقة والسماحة في البيع والشراء:
التسامح مع المعسرين وقبول العوض اليسير من كمال المروءة والإيمان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (رواه البخاري).