انطلاق القافلة من مصر وشذى ريح يوسف يسبقها إلى الشام:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 249)جامع البيانالطبري١٦/٢٤٩ وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، والضحاك، والسدي قالوا: لما انفصلت العير وخرجت من عمارة أرض مصر متوجهة إلى بلاد الشام، هاجت ريح الصبا، فحملت نسيم ريح يوسف عليه السلام من قميصه الذي في يد البشير، وسارت به مسيرة ثمان ليالٍ أو مسيرة ثمانين فرسخاً، حتى بلغت أنف يعقوب عليه السلام وهو جالس في بيته بأرض كنعان، فاستنشقها وقال لمن حوله من بنيه وقرابته: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ}.
تفسير معنى التفنيد في كلام أئمة اللغة والتفسير:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ}: «أي لولا أن تسفهوني وتجهلوني، وتنسبوني إلى الخَرَف وكِبَر السن وفساد العقل لصدقتموني أني أشم ريحه حقيقةً».
قال ابن كثير (4/ 421)مصدر غير محدد٤/٤٢١: «الفَنَد هو الخَرَف وفساد الرأي والعقل من الكبر؛ قال النابغة: (إلا سليمان إذ قال الإله له: قم في البرية فاحْدُدها عن الفَنَدِ)؛ أي امنعها عن الفساد والضلال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَصَلَتِ
الفصل: الانفصال والخروج عن المكان والقطيعة بين الشيئين؛ يقال: فصلت العير عن البلد إذا خرجت وجاوزت حدوده متوجهة إلى مقترب آخر.
رِيحَ
الريح: نسيم الهواء العليل، والرائحة الطيبة؛ مأخوذة من الرَّوْح والراحة.
تُفَنِّدُونِ
من الفَنَد، وهو ضعف الرأي والجهل والخَرَف؛ وفنّده تفنيداً إذا نسبه إلى الفند وسفّه رأيه؛ والياء المحذوفة للتخفيف وفواصل الآي هي ضمير المتكلم مفعول به، وأصلها: "تفنّدوني".
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب. "قال" فعل ماض، "أبوهم" فاعل مرفوع بالواو والهاء مضاف إليه.
إِنِّي
"إن" حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
لَأَجِدُ
اللام المزحلقة، "أجد" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة في محل رفع خبر إن.
رِيحَ يُوسُفَ
"ريح" مفعول به منصوب، "يوسف" مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
لَوْلَا
حرف امتناع لوجود شرطي غير جازم.
أَن تُفَنِّدُونِ
"أن" مصدرية ونصب، "تفندونِ" فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والنون المتبقية للوقاية، والياء المحذوفة للتخفيف في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف وجوباً تقديره: موجود، وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله، أي: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإعجاز في التوقيت والربط السببي:
علق النظم القرآني استنشاق الريح بلحظة الخروج: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ}؛ لبيان أن هبوب هذه الرائحة كان أمراً إعجازياً متزامناً مع فك حصار مصر وانطلاق بشارة الفرج؛ فكأن الكون كله تحرك في تلك اللحظة بأمر الله ليزف البشرى إلى قلب النبي الصابر بعد طول ليل الأحزان.
الاحتراز العاطفي في {لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ}:
أدرك يعقوب عليه السلام بحكمته أن هذا الخبر خارق للعادة البشرية ولا تكاد تصدقه عقول السامعين؛ فقدم هذا الاحتراز تلطفاً وتدرجاً في إبلاغ الحقيقة، ليدفع عن نفسه تهمة الهذيان قبل أن يرموه بها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة استحالة شم الرائحة من مسيرة أيام:
استنكر الماديون شم يعقوب لريح يوسف من مصر إلى الشام واعتبروها مبالغة أسطورية؛
والجواب العقلي والعلمي:
أن هذا من دلائل النبوة ومعجزات خوارق العادات؛ والذي خلق حاسة الشم والرياح قادر على أن يبلغ جزيئات الرائحة الطيبة عبر الآفاق إلى أنف نبيه تأييداً له وتثبيتاً لفؤاده.
أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن الحواس عند فاقدي البصر تشتد وتتضاعف قوتها لتعويض نقص العينين، وقد يبلغ إحساسهم بالروائح والأصوات درجات فائقة يعجز عنها المبصرون؛ فإذا انضم إلى ذلك نور النبوة وبركة الوحي زالت كل غرابة عقلية.
البلاغة في التوكيدات بـ "إنّ" واللام في {إِنِّي لَأَجِدُ}:
لبيان يقينه التام وقوة إدراكه الحسي الذي لا يتطرق إليه شك أو تردد.
التعبير بالوجدان {لَأَجِدُ}:
الفعل "وجد" يستعمل للظفر بالشيء بعد فقد، وللإحساس الباطني العميق؛ فجمع اللفظ بين حاسة الشم والوجد الروحي الصادق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بشائر الفرج تأتي مع انفصال الأسباب:
حين تحركت القافلة بأمر يوسف، تحرك نسيم الفرج إلى قلب يعقوب؛ وفي هذا إشارة إلى أن المؤمن إذا استفرغ وسعه وأخذ بالأسباب فإن الله يسوق إليه البشائر من حيث لا يحتسب.
ثبات اليقين في مواجهة تكذيب المحيطين:
يعقوب لم يتراجع عن يقينه بحياة يوسف وقرب لقائه رغم لوم اللائمين واستهزاء من حوله؛ وهذا درس في ثبات أهل الإيمان على بصيرتهم مهما كثر المشككون.