اتصال الآية بما قبلها في تحقيق القائل:
هذه الآية الكريمة تابعة للآية السابقة في تحديد القائل؛ والجمهور المحقق من علماء أهل السنة والجماعة (ابن تيمية، ابن القيم، ابن كثير، الشوكاني، السعدي، الشنقيطي) على أنها من كلام امرأة العزيز، اعترافاً منها بالقصور والخطأ، وتواضعاً بعد ذلك الاعتراف الجريء؛ كأنها لما قالت: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} خشيت أن يُفهم منها تزكية نفسها بالبراءة المطلقة من كل ذنب، فاستدركت قائلة: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} من الهوى والميل والمراودة؛ فإن النفس البشرية بطبيعتها تدعو إلى الشهوات وتميل إلى السوء، إلا من رحم ربي فعصمه وحماه كما عصم يوسف عليه السلام.
وقيل: هي من كلام يوسف عليه السلام لما قال: {لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}، قال ذلك هضماً لنفسه وتواضعاً لربه واعترافاً بأن العفة لم تكن بقوته الذاتية بل برحمة الله وتثبيته. وقد رجح الأول ابن كثير وغيره لتطابق السياق.
تحقيق طبائع النفس وأقسامها في القرآن الكريم:
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في "الزهد الكبير" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}: «هي النفس المائلة إلى الشهوات، تدعو صاحبها إلى ما تهواه من المعاصي واللذات الفانية».
وقد بين أئمة السنة (كابن القيم في "الروح" و"إغاثة اللهفان") أن النفس في القرآن وصفت بثلاثة أوصاف بحسب أحوالها:
النفس المطمئنة: وهي التي سكنت إلى الله وأمرت بالخير وانقادت للطاعة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}.
النفس اللوّامة: وهي التي تتردد بين الخير والشر، تذنب وتلوم صاحبها وتتوب: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}.
النفس الأمّارة بالسوء: وهي المتروكة لطباعها وهواها من غير عصمة، فتأمر بكل قبيح وفاحشة: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}.
معنى الاستثناء في قوله: {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}:
قال الطبري (16/ 151)مصدر غير محدد١٦/١٥١: «إلا من رحمه ربي فعصمه من معاصيه وطهره من كيد نفسه وشهواتها». وقال ابن كثير: «أي إلا من عصمه الله تعالى؛ فإن النفس لا تسلم من الميل إلا بحفظ الله وعصمته وتوفيقه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أُبَرِّئُ
من البراءة؛ برّأ يبرّئ تبرئة، إذا نسب نفسه أو غيره إلى السلامة من العيب والذنب والخلوص منه.
لَأَمَّارَةٌ
صيغة مبالغة على وزن "فَعَّالَة"، للمبالغة والكثرة في الأمر؛ فالنفس لا تكتفي بالأمر مرة واحدة، بل تلح وتكرر الأمر بالسوء إلحاحاً شديداً.
بِالسُّوءِ
السوء: كل ما يقبح شرعاً وعقلاً ويسوء عاقبته من الفواحش والمعاصي والظلم.
إِلَّا مَا رَحِمَ
"ما" موصولة بمعنى "من" (أي إلا من رحمه ربي)، أو مصدرية ظرفية (أي إلا وقت رحمة ربي).
۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي
الواو عاطفة أو استئنافية، "ما" نافية، "أبرئ" فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره أنا، "نفسي" مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
"إن" حرف توكيد ونصب، "النفس" اسم إن منصوب، اللام المزحلقة للتوكيد، "أمارة" خبر إن مرفوع، "بالسوء" جار ومجرور متعلق بـ "أمارة".
إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي
"إلا" أداة استثناء. "ما": إما اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل، وإما مصدرية والمصدر المؤول في محل نصب استثناء. "رحم" فعل ماض، "ربي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة والياء مضاف إليه، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب.
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
"إن" حرف ناسخ، "ربي" اسمها منصوب، "غفور" خبر أول مرفوع، "رحيم" خبر ثان مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال النظم في الاعتراف والاستدراك:
جاء هذا الاستدراك بعد الاعتراف بالحق في غاية البلاغة وحسن التخلص؛ لئلا يدعي أحد لنفسه العصمة والقداسة الذاتية، فبينت الآية أن الطهارة والعفة لا تنشأ من مجرد قوة الطبيعة البشرية، بل هي محض فضل الله ورحمته، وأن الطبيعة الآدمية مجردة عن رحمة الله مائلة إلى الشهوات والانقياد للأهواء.
التناسب الدقيق في الختام باسمي {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}:
ختمت الآية بهذين الاسمين الجليلين لبيان مقتضى الرحمة والمغفرة؛ فبالمغفرة يستر الله زلات النفس وما تورطت فيه من السوء بالماضي، وبالرحمة يعصمها من الوقوع في المهالك بالمستقبل، وفيه فتح لباب الرجاء لكل مذنب أمارته نفسه بالسوء أن يفيء إلى ربه فيجد رباً غفوراً رحيماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة نسبة الأمر بالسوء لنبي معصوم لو كان القائل يوسف:
أثار بعض المستشرقين شبهة: كيف يقول يوسف: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}، وهل كان لنفسه ميل حقيقي لمعصية الزنا؟
والجواب العقلي المحكم:
على القول الراجح المعتمد: القائل ليس يوسف أصلاً، بل هي امرأة العزيز التي وقعت في المراودة والظلم وسجن البريء، فكلامها منطبق على واقعها وحالها تمام الانطباق.
وعلى القول المرجوح بأن القائل يوسف: فإنه لم يقله اعترافاً بذنب واقع، بل قاله على سبيل هضم النفس والتواضع لله، وبيان أن الإنسان من حيث هو بشر لا يستقل بالنجاة إلا بحفظ الله وعصمته، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل أحداً عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» (متفق عليه).
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
صيغة المبالغة في {لَأَمَّارَةٌ} ودلالتها النفسية:
لم يقل النظم القرآني "آمرة" بصيغة اسم الفاعل العادية، بل جاء بصيغة {لَأَمَّارَةٌ} مؤكدة بـ "إنّ" واللام والمبالغة؛ إشعاراً بشدة ضراوة الهوى وإلحاح الشهوة على القلب، وأن مجاهدة النفس ليست معركة خاطفة بل جهاد مستمر لا ينقطع إلا بالموت أو بعصمة الله.
تعريف "النفس" بأل الجنسية الاستغراقية:
{إِنَّ النَّفْسَ}: أل هنا جنسية تفيد استغراق جنس النفوس البشرية من حيث جبلتها الأصلية، مما يستلزم الحذر التام من الاستسلام لخواطرها ورغباتها دون ميزان الشرع والعقل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة الحذر من الغرور وتزكية النفس:
القرآن يعلم المؤمن عدم الركون إلى طهارته الذاتية أو أعماله الصالحة؛ فمن زكى نفسه وقع في الغرور والعجب؛ والواجب دائماً اتهام النفس بالتقصير وإرجاع الفضل في كل طاعة وعفة وعصمة إلى توفيق الله ورحمته وحدها: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}.
فقه تزكية النفس ومحاربة نزعاتها:
معرفة طبيعة النفس بأنها "أمّارة بالسوء" هو الخطوة الأولى في طريق التزكية؛ فالطبيب الحاذق يبدأ بتشخيص الداء، وداء النفس هو الهوى، وعلاجها هو الفطام والمجاهدة والاستعانة بالرب الرحيم، فإذا رحم الله العبد انقلبت نفسه من "أمّارة" إلى "لوّامة" مستغفرة، ثم إلى "مطمئنة" راضية مرضية.
سعة رحمة الله ومغفرته للتائبين:
مهما عظمت الذنوب وكبرت الخطايا، فإن الرجوع إلى الله بالاستغفار والندم كفيل بمحو أثرها؛ فباب التوبة مفتوح لامرأة العزيز ولكل من راودته نفسه فأطاعها ثم تاب، لأن الله تعالى: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.