اقتران الترغيب بالترهيب والحزم السياسي:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 166)مصدر غير محدد١٦/١٦٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي: بعد أن رغبهم يوسف عليه السلام بإيفاء الكيل وإكرام المنزل، أتبع ذلك بالحزم والشرط الصارم فقال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ}؛ أي إن لم تحضروه معكم في رحلتكم القادمة، فقد بطلت حجتكم، واتهمتكم في مقالتكم، فلا أبيعكم قفيزاً واحداً من الطعام، وانهيكم عن دخول بلادي والاقتراب من مجلسي.
قال ابن كثير (4/ 402)مصدر غير محدد٤/٤٠٢: «وهذا من كمال حذقه وحسن سياسته؛ فإنه جمع لهم بين الرغبة والرهبة؛ ليعلموا أنه جاد لا محالة، وأنهم إن لم يأتوا به منعهم الميرة وحرمهم الطعام وهم في أشد الحاجة والاضطرار إليه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كَيْلَ
الكيل: إما مصدر كال يكيل، أو اسم للمكيل وهو الطعام الذي يقدر بالكيل.
لَا تَقْرَبُونِ
القرب ضد البُعد؛ والنهي عن القرب أبلغ من النهي عن المجيء؛ أي لا تقربوا حماي ولا بلادي. وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً ورعاية للفواصل، وأصلها: "لا تقربوني".
فَإِن
الفاء عاطفة تفيد التفريع والتعقيب، "إن" حرف شرط جازم.
لَّمْ تَأْتُونِي
"لم" حرف نفي وجزم وقلب، "تأتوني" فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به. وفعل الشرط في محل جزم بـ "إن".
بِهِ
جار ومجرور متعلق بـ "تأتوني".
فَلَا كَيْلَ لَكُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، "لا" نافية للجنس تعمل عمل إن، "كيل" اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، "لكم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
عِندِي
ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الضمير في "لكم" أو متعلق بالخبر.
وَلَا تَقْرَبُونِ
الواو عاطفة، "لا" ناهية جازمة، "تقربونِ" فعل مضارع مجزوم بـ "لا" وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والنون المتبقية للوقاية، والياء المحذوفة للتخفيف ضمير في محل نصب مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توازن الخطاب بين بسط الرغبة وشدة الرهبة:
انظر إلى هذا التوازن البديع؛ ففي الآية (59) قال: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} فبسط لهم جناح الكرم، وفي الآية (60) قال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ} فلوح بسيف المنع والحرمان؛ وهذا التوازن النفسي الدقيق هو السبيل الوحيد لإلجائهم إلى بذل أقصى وسعهم في استرضاء والدهم لإحضار شقيقه.
التدرج في العقوبة:
بدأ بمنع الكيل: {فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} وهو الحرمان الاقتصادي، ثم ارتقى إلى الحرمان الأمني والسياسي: {وَلَا تَقْرَبُونِ} وهو الطرد والمنع من دخول الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة القسوة في التهديد بمنع الطعام عن المحتاجين:
قد يظن ظان أن تهديد يوسف بمنع الطعام عن إخوته وأهله فيه قسوة وتجويع لمضطر؛ والجواب المحكم:
أن يوسف عليه السلام جهزهم بطعام وفير يكفيهم عاماً كاملاً، فلم يقطع عنهم القوت الحاضر.
أنه نبي مسدد بوحي الله وتدبيره لتحقيق الغاية الكبرى بجمع شمل آل يعقوب وتصديق الرؤيا القديمة.
أن التهديد كان وسيلة ضغط نفسية لا غنى عنها لانتزاع بنيامين من قبضة إخوته الذين فرطوا في يوسف بالأمس، ولم يكن ليوسف وسيلة أخرى مشروعة لإحضاره دون أن يكشف هويته قبل أوانها المقدر.
نفي الجنس بـ {فَلَا كَيْلَ} ودلالته القطعية:
بناء "لا" النافية للجنس مع اسمها المبني على الفتح يفيد النفي التام القاطع؛ أي لن تنالوا أدنى مكيال، حبة ولا صاعاً، فقطع كل أمل في المفاوضة أو الاستثناء.
التعبير بالنهي عن القرب {وَلَا تَقْرَبُونِ}:
النهي عن القرب أبلغ في الزجر من النهي عن الدخول؛ فالمعنى: لا تحوموا حول دياري، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فكان زجراً حاسماً لا يحتمل التردد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قواعد الإدارة والحزم عند أهل القيادة:
الحاكم العادل والمربي الحكيم لا يدير الأمور بالرخاوة واللين الدائمين؛ بل يضع شروطاً صارمة تضبط النظام وتلزم المخاطبين بالوفاء بعهودهم، فالحزم في موضعه حكمة كالعفو في موضعه.
أثر الضرورة في إذعان النفوس:
حاجة الإخوة إلى القوت جعلتهم يذعنون لشرط العزيز الصعب، وفي هذا بيان لكيف يسخر الله الأسباب والشدائد الدنيوية لتليين القلوب القاسية وسوق الناس إلى أقدارهم المسطورة في أم الكتاب.