تفسير اجتماع الإيمان والشرك في عقائد المشركين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 277)جامع البيانالطبري١٦/٢٧٧ وابن أبي حاتم والحاكم في "المستدرك" (وصححه) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} قال: «من إيمانهم: أنك إذا سألتهم: من خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله؛ وهم مشركون به في عبادة الأصنام والأنداد، ويقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك!».
وروي نحو هذا التفسير عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، والضحاك، والحسن البصري، والسدي.
تقرير توحيد الربوبية لا يكفي للنجاة دون توحيد الألوهية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (14/ 380)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٣٨٠ والحافظ ابن كثير (4/ 428)مصدر غير محدد٤/٤٢٨: «هذه الآية الكريمة أصل عظيم في تقرير حقيقة التوحيد عند أهل السنة والجماعة؛ فإن مشركي العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية؛ يعلمون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للكون وحده، ولكن هذا الإقرار لم يدخلهم في الإسلام ولم يعصم دماءهم وأموالهم؛ لأنهم أشركوا معه غيره في توحيد الألوهية والعبادة، فعبدوا الأصنام، واستغاثوا بالأولياء، وقدموا لهم القرابين والنذور لتقربهم إلى الله زلفى، فكان إيمانهم بربوبيته مغموراً بشركهم في ألوهيته».
شمول الآية للرياء والشرك الخفي:
أخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير وابن زيد: أنها تشمل أيضاً الشرك الأصغر؛ وهو الرياء في الأعمال؛ كمن يصلي لله ولكنه يحسن صلاته ليرى الناس، أو يقول: "لولا الله وفلان لهلكنا"؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ» (رواه أحمد وصححه الألباني).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُؤْمِنُ
الإيمان: الإقرار الجازم مع التصديق والقبول والانقياد.
مُّشْرِكُونَ
جمع مشرك، والإشراك: جعل شريك ومثيل لله في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
وَمَا
الواو عاطفة أو استئنافية، "ما" نافية.
يُؤْمِنُ
فعل مضارع مرفوع بالضمة.
أَكْثَرُهُم
فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
بِاللَّهِ
جار ومجرور متعلق بـ "يؤمن".
إِلَّا
أداة حصر واستثناء مفرغ.
وَهُم مُّشْرِكُونَ
الواو حالية، "هم" ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، "مشركون" خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من "أكثرهم" المقدرة بعد الاستثناء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفارقة العقدية الصادمة بين الإقرار والإنكار:
جاءت هذه الآية لتكشف الخلل العقدي الجذري لدى أكثر بني آدم؛ فالناس ليسوا ملاحدة ينكرون وجود الله بالمطلق؛ بل أكثرهم يقرون بوجود الله وخلقه، ولكن المصيبة الكبرى تكمن في تلويث هذا الإقرار بالشرك في العبادة أو الطاعة أو الاعتقاد: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ}.
الحصر والاستثناء ودلالته القطعية:
صيغة النفي والاستثناء {وَمَا... إِلَّا} تقرر أن الإيمان المشوب بالشرك باطل ملغى لا وزن له في ميزان النجاة الأخروية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين وصفهم بـ "مؤمنين" ووصفهم بـ "مشركين" في آن واحد:
قد يستشكل متفلسف: كيف يجتمع الإيمان والشرك في قلب واحد في لحظة واحدة؟
والجواب العقلي والتأصيلي الساطع:
أن الإيمان هنا إيمان جزئي مقيد (إيمان بتوحيد الربوبية والخلق)، والشرك شرك في الألوهية والعبادة، فلا تناقض؛ فالإنسان قد يقر بأن الصانع واحد، ثم يصرف عبادته وذبيحته وخوفه ورجاءه لصنم أو قبر أو ولي، فصار مشركاً من جهة عبادته وإن كان مصدقاً بوجود الله من جهة خلقه؛ والتوحيد لا يصح إلا إذا كان خالصاً تاماً في جميع أبوابه.
الجملة الحالية الاسمية {وَهُم مُّشْرِكُونَ}:
تفيد ملازمة صفة الشرك لإيمانهم المزعوم؛ كأن الشرك ثوب ملازم لا ينفكون عنه في تصرفاتهم وعباداتهم.
التنكير والإطلاق في الشرك:
ليشمل الشرك الأكبر الجلي كعبادة الأوثان، والشرك الأصغر الخفي كالرياء والتعلق بالأسباب الدنيوية دون خالقها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تصفية التوحيد ومحاربة الشرك بكل صوره:
الواجب الأكبر على الدعاة والمصلحين هو حماية جناب التوحيد؛ فليس المطلوب فقط دعوة الناس للاعتراف بوجود الله، بل تجريد العبادة والدعاء والاستعانة والنذر والتحاكم لله وحده لا شريك له.
مراقبة القلب والحذر من الشرك الخفي والرياء:
على المؤمن أن يفتش في خبايا قلبه دائماً؛ لئلا يدخل عليه الرياء والسمعة أو الاعتماد على الأسباب؛ فالشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على صخرة صماء في ظلمة الليل، وعلاجه الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ».