توبيخ المشركين على الغفلة عن آيات الكون الصامتة والناطقة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 275)مصدر غير محدد١٦/٢٧٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والحسن والسدي: ينبه الله تعالى عباده على غفلة المشركين وإعراضهم عن التفكر في عجائب خلقه وباهر قدرته المبثوثة في الآفاق، فقال: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}؛ أي وكم من علامة دالة على وحدانية الله، وعظيم قدرته، وسابغ نعمته، في السماوات من شمس وقمر ونجوم وأفلاك وأمطار وسحاب، وفي الأرض من جبال، وبحار، وأنهار، وأشجار، وزروع، ومساكن للأمم البائدة يمرون عليها في أسفارهم وغدواتهم وعشياتهم، وهم لاهون غافلون لا يتفكرون في دلالتها ولا يعتبرون بمصير من كذب بها!
القراءات المتواترة في {وَكَأَيِّن}:
قرأ ابن كثير: {وَكَائِنْ} بالمد والهمز على وزن فَاعِلْ مثل "قائِم".
وقرأ باقي السبعة (نافع، عاصم، أبو عمرو، حمزة، الكسائي، ابن عامر، أبو جعفر، يعقوب، خلف): {وَكَأَيِّن} بفتح الكاف وهمزة مكسورة بعدها ياء مشددة مكسورة وتنوين نوناً وصلاً ووقفاً، وهي لغة مشهورة تفيد التكثير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَكَأَيِّن
كأيّن اسم مركب يدل على التكثير مبني على السكون في محل رفع، وهو بمعنى "كم" الخبرية التكثيرية؛ ويلزمه التمييز مجروراً بـ "مِن" غالباً.
آيَةٍ
الآية: العلامة الباهرة والدليل القاطع على وجود الخالق ووحدانيته وحكمته.
مُعْرِضُونَ
جمع معرض، والإعراض: الصدود والالتفات عن الشيء استخفافاً أو جهلاً.
وَكَأَيِّن
الواو استئنافية، "كأيّن" اسم كناية عن عدد كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
مِّنْ آيَةٍ
"من" حرف جر زائد لتمييز كأين، "آية" اسم مجرور لفظاً بمن في محل نصب تمييز لـ "كأين".
فِي السَّمَاوَاتِ
جار ومجرور في محل نصب نعت لـ "آية".
وَالْأَرْضِ
معطوف على السموات مجرور.
يَمُرُّونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة "يمرون" في محل رفع خبر المبتدأ "كأيّن" (أو نعت ثان لـ آية والخبر هو جملة وهم عنها معرضون).
عَلَيْهَا
متعلق بـ "يمرون".
وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
الواو حالية، "هم" ضمير منفصل مبتدأ، "عنها" متعلق بـ "معرضون" قُدّم للاهتمام، "معرضون" خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في "يمرون".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين الآيات القرآنية والآيات الكونية:
تناسب النظم في غاية الرصانة؛ فلما ذكر إعراضهم عن الآيات المقروءة والقصص القرآني في الآيات السابقة، بيّن أن هذا الإعراض ديدن وطبع مستحكم فيهم؛ فهم لا يعرضون عن القرآن وحده، بل يعرضون حتى عن الآيات المنظورة في كتاب الكون المفتوح: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}؛ فالعلة في بصائرهم العمياء لا في قلة البراهين.
الجملة الاسمية الحالية {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}:
تفيد ثبوت هذا الإعراض وملازمته لنفوسهم في كل أوقات المرور والرحيل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة خفاء الأدلة الدالة على وجود الله ووحدانيته:
يزعم الملاحدة والمشككون أن الأدلة على الله غير كافية أو غامضة؛
وترد الآية هذا الزعم رداً عقلياً حاسماً: فالأدلة محيطة بالإنسان من فوقه (السماوات) ومن تحته (الأرض) وفي كل خطوة يخطوها، وكل ذرة في الوجود تنطق بوحدانية مبدعها؛ ولكن إعراض الإنسان وانغماسه في الماديات والشهوات هو الذي يحجب عنه نور اليقين، فالعمى عمى البصائر لا عمى الأبصار.
التكثير بـ {كَأَيِّن}:
لإفادة الكثرة الكاثرة والفيضان المستمر لآيات الله في الكون التي لا تحصى ولا تستقصى.
تقديم المعمول {عَنْهَا}:
للاختصاص؛ أي إن إعراضهم منصب على تلك الآيات العظيمة بالذات التي شأنها أن تستوقف العقول وتهز الوجدان، فكان إعراضهم عنها غاية السفه والجهل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عبادة التفكر في ملكوت السماوات والأرض:
المؤمن صاحب قلب يقظ؛ لا يمر على مناظر الطبيعة وآثار السابقين مرور الغافلين، بل يتدبر صنع الله البديع في خلقه، فالتفكر عبادة جليلة تحيي الإيمان في القلوب.
التحذير من داء الغفلة والألفة الميتة:
اعتياد رؤية الشمس والقمر والجبال قد يورث النفوس بلادة وغفلة؛ والواجب تجديد النظر والتأمل لاستشعار عظمة الخالق في كل وقت وحين.