بيان فضل نعيم الآخرة على كل ملك الدنيا:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 161)مصدر غير محدد١٦/١٦١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد: لما ذكر الله ما أعطى يوسف في الدنيا من الملك والتمكين والسيادة والرياسة والمال، نبه على أن ما أعده الله ليوسف ولأهل الإيمان في الدار الآخرة من الكرامة والنعيم المقيم خير وأجل وأعظم مما نالوه في هذه الدنيا الفانية الزائلة.
قال ابن كثير (4/ 400)مصدر غير محدد٤/٤٠٠: «أخبر تعالى أن ما ادخره لعبده ونبيه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما آتاه من الحكم والتمكين في الدنيا؛ فملك الدنيا مهما اتسع فهو منقضٍ محدود، وأجر الآخرة خالد لا ينفد ولا يبيد، وهو متاح لكل من اتصف بالإيمان والتقوى».
شرط نيل أجر الآخرة: الإيمان والتقوى المستمرة:
قال السعدي في تفسيره (ص: 401)مصدر غير محدد٤٠١: «قيد الله هذا الجزاء العظيم بـ {لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}؛ فبالإيمان تصح الأعمال وتثبت العقائد في القلوب، وبالتقوى تُجتنب المحارم وتُؤدى الواجبات، وكانوا مستمرين على ذلك كما دل عليه الفعل "كانوا"».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَلَأَجْرُ
اللام لام الابتداء تفيد التوكيد، والأجر: الجزاء على العمل الصالح.
الْآخِرَةِ
الدار الباقية بعد فناء هذه الدار الدنيا.
خَيْرٌ
اسم تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال، أي أعظم فضلاً ونفعاً وخلوداً وبقاءً.
يَتَّقُونَ
التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وَلَأَجْرُ
الواو عاطفة أو استئنافية، اللام لام الابتداء للتوكيد، "أجر" مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
الْآخِرَةِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
خَيْرٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
لِّلَّذِينَ
اللام حرف جر، "الذين" اسم موصول مبني في محل جر، وشبه الجملة متعلق بـ "خير".
آمَنُوا
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَكَانُوا
الواو عاطفة، "كانوا" فعل ماض ناسخ والواو اسمه.
يَتَّقُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة "يتقون" في محل نصب خبر كان، وجملة "كانوا يتقون" معطوفة على صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قطع التطلع الدنيوي والتعلق بزينة الأرض:
لما فصّل النظم الكريم مظاهر تمكين يوسف وتبوئه من الأرض حيث يشاء، خشي أن تفتتن النفوس بملك الدنيا وتظن أن الغاية القصوى للمؤمن هي الوصول إلى الكراسي وعروش السيادة؛ فجاءت هذه الآية كالسياج الإيماني الذي يرفع همة المؤمن نحو الدار الباقية: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ}؛ فالدنيا وسيلة للآخرة وليست غاية في ذاتها.
الجمع بين الإيمان الصادق والتقوى العملية:
ربط الأجر الأخروي بركني النجاة: الإيمان (عقد القلب وتصديقه) والتقوى (العمل بالجوارح والامتثال)، وأتى بصيغة الماضي مع المضارع {وَكَانُوا يَتَّقُونَ} للدلالة على رسوخ التقوى ودوامها ديدناً وخلقاً لازماً لهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تعارض ملك الدنيا مع زهد الأنبياء:
قد يتوهم زاهد متصوف أن جمع يوسف لملك مصر ينافي مقام النبوة والزهد؛ والجواب المحكم: أن ملك الدنيا في يد المؤمن الصالح كابن ومال في يده لا في قلبه، يستعين به على إقامة شرع الله وإطعام الجائعين؛ ومع هذا الملك كله يبقى قلبه متعلقاً بالآخرة، عالماً أن أدنى نعيم في الجنة خير من ملك الأرض بأسرها من أولها إلى آخرها.
التوكيد بلام الابتداء:
دخول لام الابتداء على المبتدأ {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ} لتثبيت هذه الحقيقة الكبرى في قلوب المؤمنين، رداً على بريق الدنيا وزخارفها الفاتنة التي قد تخطف أبصار الناظرين.
إطلاق التفضيل في {خَيْرٌ}:
حذف المفضل عليه تفخيماً؛ أي خير من ملك مصر، وخير من كل لذائذ الدنيا، وخير مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الميزان الحقيقي للأرباح والخسائر:
الرابح الحقيقي ليس من ملك القصور وحاز المناصب، بل الرابح من لقي الله بالإيمان والتقوى فاستحق أجر الآخرة الدائم؛ قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
تربية النفس على عدم الاغترار بالعطاء الدنيوي:
إذا رأى المؤمن تمكيناً أو غنى لأحد الصالحين أو لنفسه، فليتذكر أن الفضل الأكبر والنعيم الأعظم لم يأت بعد، فلا يركن إلى دنياه ولا ينسى استعداده للقاء ربه.