قسم الإخوة المغلظ ببراءتهم واحتجاجهم بسيرتهم النقية:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 197)مصدر غير محدد١٦/١٩٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد ومحمد بن إسحاق والسدي: لما سمع إخوة يوسف ذكر الصواع والجعل، هالهم أن يُتهموا بمثل هذه الدناءة، فأقسموا بالله يميناً مغلظة وقالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}.
شواهد معرفة أهل مصر بصلاحهم:
قال قتادة وابن زيد: «احتج الإخوة بما عاينه أهل مصر من حسن سيرتهم وأمانتهم؛ فإنهم منذ دخلوا مصر لم يعتدوا على أحد، وكانوا يكفون ألسنتهم وأيديهم، وإذا أوردوا دوابهم كمموا أفواهها لئلا تأكل من زروع الناس، وردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم سابقاً إلى خازن الملك، فقالوا: كيف يسرق من يرد الأموال في سفرته الأولى تورعاً وديانة؟ فأنتم قد علمتم نزاهتنا علماً يقيناً لا شك فيه».
قال ابن كثير (4/ 408)مصدر غير محدد٤/٤٠٨: «أقسموا بالله الذي لا إله إلا هو، مستشهدين بعلم المخاطبين أنفسهم بسيرتهم العفيفة، أنهم ما جاءوا للفساد ولا للسرقة، وأن السرقة أبعد ما تكون عن أخلاقهم وأصل بيتهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَاللَّهِ
التاء حرف قسم وجر مختص باسم الجلالة "الله"، وهو أبلغ حروف القسم وأندرها، ولا يستعمل إلا في الأمور العظيمة المتعجب منها.
لَقَدْ
اللام واقعة في جواب القسم، و"قد" حرف تحقيق وتوكيد.
لِنُفْسِدَ
الفساد: خروج الشيء عن الاعتدال والعدل، وضده الصلاح؛ والفساد في الأرض يشمل السرقة والنهب والاعتداء وإشاعة الفوضى.
قَالُوا
فعل ماض وفاعله.
تَاللَّهِ
التاء حرف قسم وجر، واسم الجلالة مجرور بالتاء، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: نقسم بالله.
لَقَدْ عَلِمْتُم
اللام واقعة في جواب القسم، "قد" حرف تحقيق، "علمتم" فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، وجملة "لقد علمتم" جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
اللام لام التعليل، "نفسد" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والفاعل مستتر نحن، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ "جئنا".
فِي الْأَرْضِ
متعلق بـ "نفسد".
وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ
الواو عاطفة مؤكدة للنفي، "ما" نافية، "كنا" فعل ماض ناسخ و"نا" اسمها، "سارقين" خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج البراهين: نفي الجنس الكلي ثم التخصيص:
بدأ الإخوة بنفي الفساد العام في الأرض: {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ}، ثم عطفوا عليه نفي السرقة بخصوصها: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}؛ لأن السرقة فرد من أفراد الفساد العريض؛ فنفوا الأصل أولاً لإثبات نزاهة المقصد والغاية، ثم نفوا الفعل الجزئي المتهمين به.
الاحتكام إلى علم الخصم {لَقَدْ عَلِمْتُم}:
من أبلغ أساليب المحاكمة أن تلزم خصمك بما استقر في ضميره من علم مسبق بنزاهتك؛ فقولهم {لَقَدْ عَلِمْتُم} يضع أعوان الملك في حرج أخلاقي وقضائي؛ لأن الدلائل الملموسة في سلوكهم السابق تشهد لهم بالصلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الحنث في اليمين:
قد يقال: أقسموا {تَاللَّهِ... وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} مع أن الصواع سيخرج من وعاء أحدهم!
والجواب العقلي والشرعي:
أن قسمهم صادق تماماً بحسب يقينهم واعتقادهم الباطن؛ فهم لم يسرقوا شيئاً، وبنيامين لم يسرق الصواع أيضاً بل وُضع في رحله بغير علمه خفية في كيد يوسف المأذون به، فكان قسمهم مبنياً على الأصل المقطوع به عندهم وهو البراءة المطلقة.
التوكيدات المتراكمة في الآية:
احتوت الآية على خمسة توكيدات جليلة:
القسم بالتاء {تَاللَّهِ}.
اللام الواقعة في جواب القسم.
حرف التحقيق {قَدْ}.
استحضار علم المخاطبين {عَلِمْتُم}.
الجملة الاسمية المنفية بـ "كان" والجمع السالم {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}، ولم يقولوا "وما سرقنا"، لنفي الاتصاف بهذه الصفة الرذيلة مطلقاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رصيد السيرة الحسنة درع عند الأزمات:
السيرة الطاهرة والسمعة النقية هي أعظم محامٍ يدافع عن الإنسان إذا حلت به التهم الكاذبة؛ فأعمال المرء الصالحة في الرخاء تنطق ببراءته في الشدة.
القسم بالله العظيم في مواطن الذود عن العرض والدين:
مشروعية الحلف بالأيمان المغلظة لدفع التهم الشائنة وإثبات النزاهة وصيانة الأعراض والرسالات.