نزاهة النبي صلى الله عليه وسلم وتجرده التام من المطامع الدنيوية:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 274)مصدر غير محدد١٦/٢٧٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: يقول الله تعالى مبيناً كمال براءة نبيه وحجته عليهم: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}؛ أي لا تطلب منهم يا محمد على إبلاغ هذا القرآن والقصص المعجز أي عوض دنيوي، ولا جعلاً، ولا مالاً، ولا رئاسة يثقل عليهم بذلها أو يتهمونك لأجلها، {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}؛ أي ما هذا القرآن والوحي إلا موعظة، وتذكير، وهداية، ونور عام لسائر الإنس والجن ليتذكروا به ويهتدوا إلى صراط ربهم.
تفسير {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}:
قال ابن كثير (4/ 427)مصدر غير محدد٤/٤٢٧: «أي ما أنزل الله هذا القرآن عليك إلا ليتذكر به العباد، ويسترشدوا به من ضلالتهم، ويستنقذوا به من جهالتهم وكفرهم؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ودعوتك لله عامة لكل العالمين لا تختص بقبيلة دون قبيلة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَجْرٍ
الأجر: الجزاء والعوض المالي أو المادي المقابل للعمل.
ذِكْرٌ
التذكير، والموعظة، والشرف، والبيان؛ مأخوذ من ذَكَرَ يذكر ذكراً.
لِّلْعَالَمِينَ
جمع عالَم، وهو كل ما سوى الله من الإنس والجن وسائر أصناف الخلائق المكلفة.
وَمَا تَسْأَلُهُمْ
الواو عاطفة، "ما" نافية، "تسأل" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
عَلَيْهِ
متعلق بـ "تسألهم"، والهاء تعود على القرآن أو البلاغ.
مِنْ أَجْرٍ
"من" حرف جر زائد لاستغراق النفي، "أجر" اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه مفعول به ثان لـ "تسألهم".
إِنْ هُوَ
"إن" نافية بمعنى ما، "هو" ضمير منفصل مبتدأ يعود على القرآن.
إِلَّا
أداة حصر.
ذِكْرٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
لِّلْعَالَمِينَ
اللام حرف جر للاختصاص أو النفع، "العالمين" مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لـ "ذكر".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط كل مسوغات الرفض والتكذيب:
أحكم النظم القرآني غلق كل المنافذ أمام المشركين؛ فالرسول لم يأتهم بأمر مجهول، بل بالحق؛ ولم يطالبهم بضريبة أو مغرم يثقل كواهلهم: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}؛ والرسالة ليست حكراً على أحد بل هي رحمة وذكر للعالمين؛ فلم يبقَ لرفضهم أي مستند إلا محض الكبر والعناد ومتابعة الهوى.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنْ... إِلَّا}:
لقصر وظيفة القرآن على التذكير والإنقاذ، ونفي أي غرض دنيوي أو سلطوي من وراء تبليغه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة طلب الجاه والسلطة للأنبياء:
زعم المشركون والمستشرقون أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دعا الناس ليملك رقاب العرب؛ وترد هذه الآية ذلك الزعم رداً قاطعاً؛ فلو كان يطلب ملكاً لطلب أجراً ورتب لنفسه عوائد مالية من أتباعه، ولكنه عاش فقيراً ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير لأهله، ولم يسأل الناس أجراً قط بل كان باذلاً معطاءً، وتلك شيمة الأنبياء الخلص.
زيادة "مِن" الاستغراقية في {مِنْ أَجْرٍ}:
نفي أدنى درجات العوض، لا درهماً ولا كسرة خبز ولا كلمة مدح دنيوية؛ فالتجرد لله تام ومطلق.
شمولية الدعوة في {لِّلْعَالَمِينَ}:
بيان عالمية الرسالة المحمدية؛ فالقرآن ليس كتاباً محلياً خاصاً بالعرب، بل هو نور عام لكل البشر في كل زمان ومكان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرط التجريد والإخلاص في الدعوة إلى الله:
أعظم أسباب قبول الدعوة ونفاذها إلى القلوب هو تجرد الداعية من حظوظ النفس والمطامع المالية والوجاهة؛ فمتى استشعر الناس أن الداعية لا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً أقبلوا على الحق بقلوب واثقة.
عالمية رسالة القرآن ومسؤولية البلاغ:
القرآن ذكر للعالمين، وهذا يحمّل الأمة الإسلامية مسؤولية كبرى في إيصال هذا النور وترجمته وتبليغه إلى سائر شعوب الأرض وألسنتها لتقوم عليهم حجة الله.