موقف يعقوب عليه السلام عند رجوع الإخوة بخبر حبس بنيامين وبقاء كبيرهم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 222)جامع البيانالطبري١٦/٢٢٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن إسحاق: لما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم دون بنيامين ودون كبيرهم روبيل، وأخبروه بما جرى وقالوا: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ}، اشتد حزنه جداً وتجددت لوعته على يوسف، وقال لهم كما قال في المرة الأولى حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}.
توجيه اتهام يعقوب لهم بالتسويل وهم صادقون في ظاهر الحادثة:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 414)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤١٤: «قال لهم ذلك لأنه اتهمهم في هذه الواقعة كما اتهمهم في الأولى؛ لعلمه بسوابق حقدهم وحسدهم ليوسف وأخيه، فظن أنهم دبروا لبنيامين مكيدة أو تواطؤوا على التخلص منه كما فعلوا بيوسف، ولم يصدق أن بنيامين يسرق ديانةً وتربية؛ وقيل: بل علم أنهم صادقون في خبر أخذ الملك له، ولكن نفوسهم هي التي سوّلت لهم من قبل إخراجه من عنده وتضييعه حتى آل أمره إلى هذا البلاء».
عظمة الرجاء النبوي في قوله: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 403)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٠٣: «انظر إلى قوة اليقين وحسن الظن بالله عند تناهي الكروب؛ فإنه لما فقد يوسف، ثم فقد شقيقه بنيامين، ثم تخلف كبيرهم في مصر، وصار البلاء مضاعفاً، لم يقنط يعقوب ولم يستسلم لليأس، بل قال بلسان الواثق بربه: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}؛ أي يوسف وبنيامين وكبيرهم، {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} بحالي وضعفي وحزني واشتياقي، {الْحَكِيمُ} في تدبيره وأقداره وابتلائه لعباده».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَلْ
حرف إضراب يفيد إبطال دعواهم وردهم إلى حقيقة كيدهم.
سَوَّلَتْ
التسويل: تزيين الأمر القبيح وتحسينه في العين حتى يُظن حسناً؛ مأخوذ من السَّوْل وهو الاسترخاء وإرخاء العنان للشهوة.
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
الصبر الجميل: الصبر الذي لا شكوى فيه لأحد من المخلوقين ولا ضجر ولا تسخط.
عَسَى
فعل جامد للرجاء والطمع في فضل الله وكرمه؛ وإذا كان الرجاء من الله فهو واقع ومتحقق لا محالة.
جَمِيعًا
حال منصوبة تفيد الإحاطة والاستيعاب لكل المفقودين دون استثناء.
قَالَ
فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو (يعقوب).
بَلْ
حرف إضراب وانتقال.
سَوَّلَتْ لَكُمْ
"سوّل" فعل ماض والتاء للتأنيث، "لكم" متعلق بـ "سوّلت".
أَنفُسُكُمْ
فاعل مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
أَمْرًا
مفعول به منصوب بالفتحة، وجملة "بل سولت..." مقول القول.
"عسى" فعل ماض ناقص جامد يفيد الرجاء، اسم الجلالة اسمها مرفوع بالضمة.
أَن يَأْتِيَنِي
"أن" مصدرية ونصب، "يأتي" فعل مضارع منصوب بالفتحة، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول، والفاعل مستتر يعود على الله، والمصدر المؤول في محل نصب خبر عسى.
بِهِمْ
جار ومجرور متعلق بـ "يأتيني".
جَمِيعًا
حال منصوبة بالفتحة من الضمير في "بهم".
إِنَّهُ هُوَ
"إن" حرف ناسخ والهاء اسمها، "هو" ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ ثان).
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
خبران لـ "إن" مرفوعان بالضمة (أو خبرا "هو" والجملة خبر إن).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطابق البدايات والمآلات في الصبر الجميل:
تكرار عبارة {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} التي قالها يعقوب في الآية (18) عند بدء المحنة، يبرهن على ثبات منهجه الإيماني؛ فالصبر الجميل ليس موقفاً عابراً في أول الصدمة، بل هو سجية راسخة ومقام دائم لا يتزعزع وإن تراكمت الكروب وطالت السنون.
قانون اشتداد الكرب قبيل انبثاق الفجر:
تجمع البلاء على يعقوب عليه السلام بفقد ثلاثة من أبنائه دفعة واحدة؛ وتلك سنة الله في أن المحنة إذا تناهت واستحكمت حلقاتها، فتح الله أبواب الفرج؛ ولذلك انبعث في صدر يعقوب هذا الرجاء العظيم الجازم: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة اتهام الأب لأبنائه بالباطل في هذه الحادثة:
قد يستشكل متأمل: لماذا قال {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} والإخوة لم يضعوا الصواع ولم يدبروا حبسه حقيقة؟
والجواب العقلي والتفسيري الباهر:
أن يعقوب عليه السلام أعمل قاعدة الاستصحاب والقرائن القوية؛ فالذي فرط في يوسف وكذب على أبيه سنين طويلة لا يؤمن جانبه، وكان يحق ليعقوب عقلاً وشرعاً أن يسيء الظن بهم وبتدبيرهم.
أن تسويل أنفسهم تحقق بالفعل في إخراج بنيامين من كنفه بإلحاحهم ومراودتهم السابقة؛ فلولا إصرارهم لما أخرجه ولما آل أمره إلى الأسر، فهم المتسببون في البلاء.
أن يعقوب بنور النبوة كان يستشعر أن وراء هذه الأحداث تدبيراً خفياً وامتحاناً إلهياً متصلاً بقصة يوسف، فنسب الفعل إلى تسويل النفوس تهيئةً للفرقة التي يعقبها اللقاء الجامع.
التوكيد بالحال الجامعة {جَمِيعًا}:
تأكيد لا يدع مجالاً للتجزئة؛ فهو لا يرجو رجوع بنيامين وحده ولا روبيل وحده، بل طمع في فضل الله أن يردهما ومعهما يوسف الغائب منذ ثلاثين سنة؛ وهذا منتهى علو الهمة في الدعاء والرجاء.
الاقتران بين اسمي الله {الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}:
ختام يناسب المقام غاية المناسبة؛ فالعليم يعلم أمكنة المفقودين ويعلم كرب الوالد، والحكيم يضع الابتلاء في موضعه وميقاته ثم ينهيه في أوانه الأحسن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه الثقة وحسن الظن بالله عند تتابع المصائب:
درس عملي للدعاة والمؤمنين: كلما ازدادت الخطوب ظلمة، فليكن يقينك بالفرج أعظم؛ فالعبد الصادق يستقبل اشتداد البلاء بالرجاء واليقين لا بالقنوط والانهيار.
مقام الصبر الجميل:
حقيقة الصبر الجميل: كف اللسان عن الشكوى للمخلوقين، والرضا عن الله في باطن القلب، مع استمرار الطمع في رحمته وعطائه.