تعهد الإخوة باستمالة أبيهم وإقناعه:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 167)جامع البيانالطبري١٦/١٦٧ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: لما حذرهم يوسف وتوعدهم بمنع الكيل إن لم يحضروا أخاهم من أبيهم، قالوا له مؤكدين حرصهم: {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}؛ أي سنجتهد في مطالبة أبيه به، ونحتال في استنزاله عن رأيه وحرصه المفرط عليه، وسنكرر الطلب برفق ولين حتى يسلمه إلينا، وإنا لمجتهدون في تحصيل ذلك ومصممون على إحضاره.
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 402)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٠٢: «أجابوا العزيز بأنهم سيبذلون غاية جهدهم ومحاولاتهم مع أبيهم لإرساله معهم؛ لأنهم يعلمون شدة ضنّ يعقوب به وشفقته عليه بعد فقده ليوسف، فلم يقطعوا بالنتيجة استبداداً، بل علقوا الأمر بالمراودة والجهد البشري، وأكدوا عزمهم التام على تحقيق ذلك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَنُرَاوِدُ
السين للاستقبال القريب؛ والمراودة: المخادعة والمطالبة بالشيء برفق وتكرار المحاولة، وأصلها من الرّوْد وهو الطلب والمجيء والذهاب؛ واستعملت هنا في طلب إذن الوالد بإرسال ولده بالتدريج واللين.
لَفَاعِلُونَ
اللام المزحلقة للتوكيد، وفاعل اسم فاعل يدل على الثبوت والتصميم على إنجاز الفعل.
قَالُوا
فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
سَنُرَاوِدُ
السين حرف استقبال، "نراود" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره نحن، وجملة "سنراود" في محل نصب مقول القول.
عَنْهُ
جار ومجرور متعلق بـ "نراود".
أَبَاهُ
مفعول به منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
وَإِنَّا
الواو عاطفة أو حالية، "إنّ" حرف ناسخ و"نا" اسمها.
لَفَاعِلُونَ
اللام المزحلقة، "فاعلون" خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استعمال لفظ "المراودة" ودقته النفسية:
استعمال الإخوة للفظ {سَنُرَاوِدُ} يكشف عن إدراكهم العميق لمدى تعقد المهمة؛ فهم لم يقولوا "سنأتي به" جزماً، بل عبروا بالمراودة التي تقتضي المصابرة ومداومة الإلحاح بالحجة والترجي؛ لأنهم يعرفون أن قلب يعقوب عليه السلام لا يزال مجروحاً من فاجعة يوسف، وأنه لا يسلم شقيقه بسهولة.
التأكيد بالجملة الاسمية {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}:
أرادوا طمأنة العزيز بصدق عزيمتهم وجديتهم في تنفيذ أمره؛ لئلا يظن أنهم متساهلون أو راغبون في التهرب من شرطه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التشابه بين هذه المراودة ومراودة امرأة العزيز:
قد يستشكل السطحي اشتراك اللفظين {رَاوَدَتْنِي} و{سَنُرَاوِدُ}؛ والتحقيق العقلي واللغوي: أن المراودة في أصل اللغة هي المحاولة المتكررة للظفر بالمراد برفق وحيلة؛ فإن كانت الغاية خبيثة كما في طلب الفاحشة كانت مراودة سوء وإثم، وإن كانت الغاية مشروعة كاسترضاء الوالد وجلب القوت لأهل البيت كانت مراودة بالمعنى العرفي واللغوي المباح، فلا مدخل للبس بين المقامين.
الجرس التعبيري في {سَنُرَاوِدُ}:
يوحي بحركة دائبة ونقاشات ممتدة متوقعة؛ وهو تمهيد فني رائع في السرد القرآني للمشهد القادم بين الأب وبنيه في أرض كنعان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب التخاطب والمحاورة مع الآباء عند طلب الأمور الشاقة:
الولد العاقل إذا طلب من والده أمراً يعلم كراهته له، لا يفرضه بالقوة أو العقوق، بل يسلك مسلك "المراودة الحسنة" بالملاينة والتلطف والصبر على هواجس الأب ومخاوفه.
التزام الوعد وبذل الجهد المتاح:
المؤمن إذا عاهد أو وعد، فإنه يبذل كل طاقته للوفاء بعهده، ولا يفرط في ما التزم به أمام الناس.