رجوع الإخوة ومفاتحة والدهم بالأمر الجلل:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 171)مصدر غير محدد١٦/١٧١ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة: لما قطع الإخوة مسافة الطريق من مصر إلى أرض كنعان ووصلوا إلى أبيهم يعقوب عليه السلام، بادروا فور وصولهم إلى إخباره بما حدث مع ملك مصر، فقالوا: {يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ}؛ أي أخبرنا العزيز أنه لن يبيعنا طعاماً في المستقبل إن لم يذهب معنا أخونا بنيامين، فصار الكيل ممنوعاً عنا مشروطاً بحضوره، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من كل مكروه وسوء حتى نرده إليك سالماً.
القراءات المتواترة في {نَكْتَلْ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، أبو عمرو، ابن كثير، ابن عامر، أبو جعفر، يعقوب): {نَكْتَلْ} بنون العظمة، مجزوماً في جواب الطلب؛ أي نكتل نحن ويزداد كيلنا.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {يَكْتَلْ} بياء الغيبة؛ أي يكتل أخونا بنيامين لنفسه نصيبه من الطعام؛ لأن الملك لا يكيل إلا لكل رجل بنفسه. والقراءتان كالآيتين تدلان على أن خروجه يضمن لهم جميعاً الكيل ويخصه هو بكيل بعير زائد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُنِعَ
المنع: الحيلولة بين الشخص وبين ما يريده؛ وبني الفعل للمفعول للدلالة على صدور القرار الصارم من السلطة الحاكمة.
نَكْتَلْ
من الاكتيال؛ كال يكيل واكتال يكتال، والاكتيال: أخذ الشيء مكولاً؛ يقال: كلت له إذا أعطيته، واكتلت منه إذا أخذت لنفسك بالكيل؛ ومنه قوله تعالى: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ}.
جار ومجرور متعلق بـ "رجعوا"، و"أبيهم" مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة والهاء مضاف إليه.
قَالُوا
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب، والواو فاعل.
يَا أَبَانَا
"يا" حرف نداء، "أبانا" منادى منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، و"نا" مضاف إليه.
مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ
"منع" فعل ماض مبني للمجهول، "منا" متعلق بـ "منع"، "الكيل" نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر أو فاء الفصيحة، "أرسل" فعل أمر دعائي للتلطف، والفاعل مستتر أنت، "معنا" ظرف منصوب متعلق بـ "أرسل" و"نا" مضاف إليه، "أخانا" مفعول به منصوب بالألف و"نا" مضاف إليه.
نَكْتَلْ
فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (أرسل) وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر نحن (وعلى قراءة الياء: هو يعود على الأخ).
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
الواو حالية أو عاطفة، "إن" واسمها، اللام المزحلقة، "له" متعلق بـ "حافظون"، "حافظون" خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء بنقل المأزق: {مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ}:
بدأ الإخوة كلامهم بأسلوب صادم لبيان خطورة الموقف وقوة الاضطرار؛ فالمسألة لم تعد رفاهية أو مجرد نزهة، بل هي مسألة حياة أو موت ومجاعة ستحل بالجميع إن لم يستجب الوالد لطلبهم؛ وهذا التقديم النفسي مدروس للتأثير على عاطفة الأب.
التناظر المريب مع عبارتهم القديمة في يوسف:
قالوا في يوسف قديماً: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} (الآية 11) و{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الآية 12)، وهنا يكررون اللفظ نفسه بحروفه: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؛ وهذا التناظر اللفظي هو الذي نكأ جراح يعقوب وأثار هواجسه كما سيظهر في جوابه التالي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الكذب في قولهم {مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} وقد جاءوا بأحمال الطعام:
قد يُقال: كيف يقولون "مُنع منا الكيل" وهم يحملون عشرة أبعرة طعاماً؟
والجواب العقلي البدهي:
أن مرادهم منع الكيل المستقبلي؛ أي تقرر منعه وحُكم به في المرات القادمة؛ كقولك لمن هدده الطبيب بالمنع من طعام: "مُنع عني السكر" أي حُرمت منه مستقبلاً، وهذا أسلوب عربي مشهور في التعبير عن المتوقع المحتوم بالماضي لتحققه.
بناء الفعل للمفعول في {مُنِعَ}:
لحذف الفاعل للعلم به؛ فالمانع هو عزيز مصر وسلطانه المطلق، مما يلقي في روع الأب هيبة القرار وصعوبة التملص منه.
التوكيد بالجملة الاسمية واللام في {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}:
لإظهار بالغ العناية والتفاني في حماية بنيامين، محاولةً لمسح أثر الخيانة القديمة التي لا تزال عالقة في ذاكرة أبيهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أثر السوابق السيئة في زعزعة الثقة:
من أخل بأمانته مرة وظلم، يصعب على الناس تصديقه وإن جاء بأغلظ الأيمان؛ فكلمة {لَحَافِظُونَ} لم تطمئن يعقوب لأنها خرجت من الأفواه التي قالتها بالأمس في يوسف ثم جاءوا على قميصه بدم كذب.
الموازنة بين حفظ الأبناء وحفظ الأقوات:
وقوع الوالد في مأزق تربوي ونفسي عظيم: إن حبس ابنه هلكت أسرته جوعاً، وإن أرسله خاف عليه الضياع كأخيه؛ وتلك هي الابتلاءات العظيمة التي تصفّي قلوب أولياء الله.