الاحتكام إلى شهادة الشهود والقرائن القاطعة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 220)مصدر غير محدد١٦/٢٢٠ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق: علم الإخوة أن أباهم يعقوب عليه السلام لن يصدقهم بسهولة لما سلف من تفريطهم في يوسف وحملهم لقميصه بدم كذب، فأرشدهم كبيرهم إلى تقديم البينات المادية والشهود المحايدين فقال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
قال قتادة: «أراد بالقرية: مصر وعاصمتها التي جرى فيها التفتيش ومحاكمة العزيز، وبالعير: القوافل والرفاق الذين رافقوهم في طريق الشام من جيرانهم ومعارفهم، فإنهم عاينوا القصة وشهدوا استخراج الصواع ورأوا بقاء كبيرنا هناك وحبس بنيامين بحكم شريعتنا».
تأكيد الصدق بالجملة الاسمية واللام:
قال ابن كثير (4/ 414)مصدر غير محدد٤/٤١٤: «{وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرناك به من أن ابنك سرق وأن العزيز حبسه، وأننا ما فرطنا فيه ولا أسلمناه خيانةً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْقَرْيَةَ
المدينة المجتمعة؛ وأطلقت القرية في القرآن على عواصم المدن كـ "أم القرى" و"قرية مصر".
الْعِيرَ
القافلة وأصحابها؛ وقد تقدم بيانه في الآية (70).
لَصَادِقُونَ
الصادق من طابق خبره الواقع والاعتقاد.
وَاسْأَلِ
الواو عاطفة، "اسأل" فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت (يعقوب)، وحركت اللام بالكسر لالتقاء الساكنين.
الْقَرْيَةَ
مفعول به منصوب على حذف مضاف مجازاً مرسلاً تقديره: واسأل أهل القرية.
الَّتِي
اسم موصول مبني في محل نصب نعت لـ "القرية".
كُنَّا فِيهَا
"كنا" فعل ماض ناسخ و"نا" اسمها، "فيها" خبرها، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَالْعِيرَ
الواو عاطفة، "العير" معطوف على القرية منصوب على حذف مضاف تقديره: وأهل العير أو ركبان العير.
الَّتِي
نعت لـ "العير".
أَقْبَلْنَا فِيهَا
فعل وفاعل ومجرور صلة الموصول.
وَإِنَّا
الواو حالية أو مؤكدة، "إن" واسمها.
لَصَادِقُونَ
اللام المزحلقة، "صادقون" خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تضافر القرائن لإلزام الأب بالبراءة:
جمع الإخوة بين شهادتين مستقلتين لا مجال للتواطؤ فيهما:
شهادة أهل الحضر المستقرين: {الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} وهم أهل مصر وحكامها وأسواقها.
شهادة أهل البادية والقوافل المتنقلة: {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} وهم رفقتهم في السفر من أهل كنعان وفلسطين.
فإذا توافقت شهادة أهل العاصمة مع شهادة رفقاء السفر، بطلت كل ريبة وسقطت كل تهمة تواطؤ.
ختام الحوار بالتوكيد الجازم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}:
تتويج للمشهد السردي ببيان صدقهم الحقيقي هذه المرة، تمهيداً لرد يعقوب عليه السلام في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التكليف بسؤال الجمادات (القرية والعير):
استشكل بعض السطحيين: كيف يأمرونه بسؤال القرية وهي جدران، والعير وهي إبل ودواب؟
والجواب البلاغي والعقلي البدهي:
أن هذا من أشهر أساليب المجاز المرسل في لغة العرب والقرآن الكريم؛ وهو إطلاق المحل وإرادة الحالّ فيه؛ كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي أهلها وسكانها، و{الْعِيرَ} أي أصحابها وركبانها؛ ونظيره في كلام الناس: "سألت الجامعة" و"سألت الوزارة" و"سألت القطار" أي من فيه من الناس.
المجاز المرسل وعلاقته المحلية:
التعبير بالقرية والعير أبلغ من التعبير بالأشخاص؛ لأنه يوحي بأن الواقعة كانت من الشهرة والوضوح بحيث يعلمها كل ركن في تلك القرية، وكل راكب في تلك العير، فصارت قضية رأي عام لا يمكن كتمانها.
التوكيدات الثلاثية في {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}:
الجملة الاسمية، و"إنّ"، واللام المزحلقة؛ لتأكيد صدقهم المبرأ من خيانة يوسف القديمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قواعد الإثبات القضائي والبينات العادلة:
المتهم البريء يحتج بالشهود المحايدين والمستندات والقرائن الملموسة لتبرئة نفسه؛ فالشريعة تقيم الأحكام على البينات: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
مرارة فقد الثقة وأثرها طويل الأمد:
أعظم عقوبة نالها إخوة يوسف على خطيئتهم القديمة أنهم حين صدقوا صدقاً تاماً وبذلوا كل القرائن، لم يصدقهم أبوهم وقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا}؛ فمن اعتاد الكذب خسر تصديق الناس له حتى في أصدق لحظاته.