أمر يعقوب بنيه بالبحث والتحسس عن يوسف وأخيه:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 232)مصدر غير محدد١٦/٢٣٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن إسحاق: بعد أن قرر يعقوب ثقته بالله، التفت إلى بنيه ناصحاً وموجهاً، فقال لهم: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ}؛ أي انطلقوا راجعين إلى مصر فتطلبوا خبر يوسف وأخيه بنيامين، وابحثوا عنهما برفق وتلطف في أخبار البلاد وأسواقها.
تفسير الفرق بين "التحسس" و"التجسس":
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، حديث رقم 6064)مصدر غير محددحديث رقم ٦٠٦٤ ومسلم (حديث رقم 2563)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٦٣ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا...».
قال أئمة اللغة والتفسير (القرطبي، ابن كثير، ابن عاشور):
التحسس (بالحاء): هو تطلب الأخبار والبحث عن الأمور بالاستماع والحواس في الخير أو فيما ينفع، أو تطلب الأخبار للغير.
التجسس (بالجيم): هو البحث عن العورات وتتبع السوءات وما ستره الناس في الشر.
فأمرهم يعقوب بالتحسس بحاستهم طلباً لخبر أخويهم استنقاداً لهما وهو تحسس مباح ومأمور به شرعاً.
النهي المطلق عن اليأس من رَوْح الله:
قال ابن كثير (4/ 417)مصدر غير محدد٤/٤١٧: «{وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}؛ أي لا تقطعوا رجاءكم من فرج الله وتنفيسه وتيسيره، فإن الفرج قريب واللطف قادم، {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}؛ لأن الكافر يجحد قدرة الله ورحمته، أما المؤمن فيعلم أن قدرة الله فوق كل مستحيل، وأن رحمته وسعت كل شيء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَحَسَّسُوا
تفعلوا من الحِس؛ والتحسس: استقصاء الإحساس بالشيء وتعرف خبره بالعين والأذن وسائر الحواس؛ وهو تطلب الأخبار برفق.
جار ومجرور متعلق بـ "تيأسوا"، واسم الجلالة مضاف إليه مجرور.
إِنَّهُ
"إن" حرف ناسخ والهاء ضمير الشأن مبني في محل نصب اسمها.
لَا يَيْأَسُ
"لا" نافية، "ييأس" فعل مضارع مرفوع بالضمة.
مِن رَّوْحِ اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بـ "ييأس"، ومضاف إليه.
إِلَّا
أداة حصر.
الْقَوْمُ
فاعل مرفوع بالضمة لـ "ييأس".
الْكَافِرُونَ
نعت مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة "لا ييأس..." في محل رفع خبر إن، وجملة "إنه لا ييأس..." تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال العبقري من البث الذاتي إلى التوجيه العملي:
بعد أن فرغ يعقوب من مناجاة ربه وبث حزنه، لم يستسلم للقعود والبكاء السلبي، بل تحول مباشرة إلى قائد عملي يوجه بنيه ويحركهم بالأمل: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا}؛ فالإيمان لا يعرف التواكل العاجز، بل يقرن الرجاء بالسعي الحثيث وبذل الجهد المتاح.
قصر اليأس على الكافرين والتحذير من لوازمه:
ختم الآية بقوله: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} يحمل تحذيراً شديد اللهجة لبنيه؛ فاليأس من الفرج وسوء الظن بالله ذنب عظيم يورط العبد في صفات أهل الكفر والجحود، والمؤمن لا يليق به إلا استدامة الرجاء واليقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تكفير من أصابه اليأس أو الاكتئاب النفسي:
قد يستشكل متفقه: هل يكفر المسلم إذا أصابه اليأس من أمر دنيوي؟
والجواب العقلي والأصولي الدقيق:
أن اليأس المذكور في الآية والمقترن بالكفر هو اليأس من رحمة الله المطلقة وقدرته؛ أي من يعتقد في قرارة نفسه أن الله عاجز عن نصرته أو أن رحمته لا تسعه، فهذا تكذيب لصفات الله وقدرته وهو كفر مخرج من الملة؛ أما اليأس البشري العارض في مسألة جزئية مع استقرار الإيمان بقدرة الله فليس كفراً، وإنما هو ضعف في اليقين ينبغي للعبد مداواته بحسن الظن بالله.
البلاغة في التعبير بـ {رَّوْحِ اللَّهِ} بفتح الراء:
لفظ "الرَّوْح" يحمل في نغمته وظلاله اللغوية نسيم الراحة والسكينة والتنفس بعد الخنق والضيق؛ فكأن فرج الله ريح طيبة تهب على القلوب المحترقة فتطفئ لوعتها وتنعش آمالها.
أسلوب الحصر والاستثناء المؤكد:
{لَا يَيْأَسُ... إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}: قصر نفي اليأس على غير الكافرين؛ للدلالة على أن من لوازم الإيمان الراسخ الأمل الدائم في الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صناعة الأمل ومحاربة ثقافة الإحباط:
أعظم رسالة يوجهها يعقوب للمربين والدعاة: زرع بذور الأمل في أحلك الأوقات؛ فحين كان الإخوة يرون الموت والهلاك محتوماً، ناداهم الأب: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}، فالأمل قوة دافعة للحياة والعمل.
الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل المطلق:
أمرهم بالذهاب والتحسس والبحث (أسباب مادية)، وحثهم على الرجاء في رَوح الله (توكل عقدي)؛ فلا يصح إيمان عبد حتى تجتمع في قلبه وسلوكه هاتان الحقيقتان.