جواب يعقوب عليه السلام المفعم بالحزن والتوكل:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 173)مصدر غير محدد١٦/١٧٣ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد: لما سمع يعقوب مقالتهم: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، تذكر فاجعته بيوسف وعهدهم السابق فيه، فقال لهم مستنكراً ومذكراً: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ}؛ أي هل أنتم إلا كما كنتم؟ وهل أثق بحفظكم وصيانتكم لبنيامين إلا كما وثقت بحفظكم ليوسف حين قلتم: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ثم فرطتم فيه وقلتم أكله الذئب! فأنتم لستم موضع أمن عندي.
اللجوء المطلق إلى حفظ الله ورحمته:
ثم استدرك يعقوب مفوضاً أمره بالكلية إلى الله فقال: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
قال ابن كثير في تفسيره (4/ 403)مصدر غير محدد٤/٤٠٣: «أي: لست أعتمد على حفظكم ولا على مواثيقكم، بل اعتمادي ورجائي وتوكلي على الله وحده، فهو خير حافظاً منكم ومن كل أحد، وهو أرحم الراحمين بي وبضعفي وشيبتي وحزني، فأرجو أن يرحمني بحفظه ورده عليّ وجمعه مع أخيه».
القراءات المتواترة في {حَافِظًا}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، ابن عامر، أبو عمرو، أبو جعفر، يعقوب): {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} بالألف، على أنه تمييز أو حال من اسم الفاعل "حافظ".
وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا} بكسر الحاء وسكون الفاء بلا ألف، على أنه مصدر منتصب على التمييز؛ أي حفظ الله خير من حفظكم. والمعنيان متكاملان في إثبات كمال الحفظ لله سبحانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آمَنُكُمْ
من الأمن والأمانة؛ آمنه على كذا إذا وثق به واعتمد على وفائه.
حَافِظًا
اسم فاعل منصوب على التمييز؛ وقراءة {حِفْظًا} مصدرية.
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
أرحم اسم تفضيل، والراحمين جمع راحم؛ وأرحم الراحمين وصف لله تعالى بالرحمة المطلقة التي وسعت كل شيء وتجاوزت كل رحمة مخلوق.
قَالَ
فعل ماض والفاعل مستتر (يعقوب).
هَلْ آمَنُكُمْ
"هل" حرف استفهام متضمن معنى النفي والإنكار، "آمنكم" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل أنا والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة مقول القول.
عَلَيْهِ
جار ومجرور متعلق بـ "آمنكم".
إِلَّا
أداة حصر.
كَمَا أَمِنتُكُمْ
الكاف حرف جر، "ما" مصدرية، وجملة "أمنتكم" صلة ما المصدرية، والمصدر المؤول في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق نعت لمصدر محذوف، تقديره: هل آمنكم عليه إلا أمناً كائناً كأمني لكم على أخيه.
عَلَىٰ أَخِيهِ
متعلق بـ "أمنتكم"، والهاء مضاف إليه.
مِن قَبْلُ
جار ومجرور مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظاً لا معنى متعلق بـ "أمنتكم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من خيبة الأسباب إلى عظمة المسبّب:
سياق الآية يفيض بالإيمان واليقين؛ فيعقوب عليه السلام يعلن سقوط الثقة بالأسباب البشرية المجردة وعجزها بعد التجربة المرة: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ...}، ثم يفر مباشرة وبلا تردد إلى الحصن الحصين: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا}؛ وهذا هو شأن الأنبياء والأولياء، لا يقفون عند عجز المخلوقين بل يعرجون إلى قدرة الخالق.
الجمع بين صفتي الحفظ والرحمة:
قوله: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} بعد {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} غاية في حسن التعقيب؛ لأن حفظ الله لعبده ينبع من سابغ رحمته؛ فإذا رحم الله عبداً كفاه وحماه ودفع عنه السوء من حيث لا يحتسب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة قنوط يعقوب أو شكه في بنيه دون بينة:
قد يقال: كيف يواجه الأب بنيه بهذا التشكيك الشديد؟
والجواب العقلي البدهي:
أن ما فعلوه بيوسف لم يكن خطأً عابراً بل كانت جريمة مروعة اقترنت بكذب مفضوح ودم مكذوب على القميص، فمن الحكمة والحذر الشرعي أن لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين؛ ومعاتبتهم وتذكيرهم بسابقتهم كان واجباً لإيقاظ ضمائرهم ووضعهم أمام مسؤوليتهم الكبرى.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي:
{هَلْ آمَنُكُمْ}: استفهام إنكاري بمعنى النفي التام؛ أي: لا آمنكم عليه بحال من الأحوال اعتماداً على حفظكم، فأنتم أنتم لم تتغيروا.
صيغة التفضيل في {خَيْرٌ} و{أَرْحَمُ}:
حصر التفضيل المطلق لله تعالى؛ فكل حارس وحافظ ينام أو يغفل أو يخون أو يعجز، وحفظ الله دائم قيومي لا تأخذه سنة ولا نوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوكل الحق وتفويض الأمر لله:
مهما اتخذ العبد من أسباب الحيطة والحذر، فإن الحافظ الحقيقي في هذا الكون هو الله وحده؛ فالحذر لا يغني من قدر، ولكن تفويض الأمر إلى الحفيظ العليم يجلب السكينة إلى القلب المنكسر.
استجلاب رحمة الله بذكر أسمائه وصفاته:
توسل يعقوب عليه السلام إلى الله باسمه "أرحم الراحمين" في أحلك لحظات كربته، وهذا يعلم المؤمن التوسل برحمة الله في أوقات الشدائد، فإن رحمة الله قريبة من المحسنين.