إعلان دستور الدعوة النبوية والمنهج الخالد:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 282)جامع البيانالطبري١٦/٢٨٢ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق: يأمر الله تعالى نبيه وخاتم رسله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يعلن للثقلين منهجه وطريقه وصراطه المستقيم، فيقول: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
تفسير "البصيرة" في كلام المحققين:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «على بصيرة: أي على يقين، وعلم، وهدى وبرهان عقلي وشرعي جلي لا شك فيه ولا التباس».
وقال ابن كثير في تفسيره (4/ 429)مصدر غير محدد٤/٤٢٩: «يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أن هذه هي طريقته ومسلكه وسنته؛ وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله على بصيرة؛ أي على يقين وبرهان عقلي وشرعي هو وكل من اتبعه وصدقه، فينزهون الله عن الأنداد والأولاد والشركاء».
توجيه العطف في {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}:
بين أئمة التفسير والنحو وجهين عظيمين متكاملين في المعنى:
الوجه الأول (قول الجمهور): أن "مَن" معطوفة على الضمير في "أدعو"؛ فالمعنى: أدعو أنا إلى الله على بصيرة، ويدعو من اتبعني من أصحابي وأمتي إلى الله على بصيرة أيضاً؛ فأتباع النبي هم الدعاة إلى الله على علم وهدى إلى يوم القيامة.
الوجه الثاني: أن "مَن" معطوفة على المبتدأ "أنا"؛ فالمعنى: أنا على بصيرة، ومن اتبعني كذلك على بصيرة ويقين في دينه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَبِيلِي
السبيل: الطريق الواضح المسلوك؛ والياء للمتكلم؛ وسبيل الله دينه وشرعه.
بَصِيرَةٍ
البصيرة: نور القلب، والعلم الراسخ، والحجة القاطعة والبرهان النير؛ مأخوذة من البصر الباطن الذي هو إدراك العقل والقلب.
وَسُبْحَانَ اللَّهِ
سبحان: مصدر نُصب بفعل محذوف، وهو التنزيه والتبرئة لله تعالى عن كل نقص وعيب ومثيل.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
هَٰذِهِ
"ها" للتنبيه، "ذه" اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
سَبِيلِي
خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم والياء مضاف إليه، وجملة "هذه سبيلي" مقول القول.
أَدْعُو
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة في محل نصب حال من الياء في "سبيلي" أو استئناف بياني مفسر للسبيل.
إِلَى اللَّهِ
متعلق بـ "أدعو".
عَلَىٰ بَصِيرَةٍ
جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل في "أدعو" (أي أدعو مستقراً على بصيرة).
أَنَا
ضمير منفصل مبني في محل رفع توكيد للفاعل المستتر في "أدعو" (أو مبتدأ خبره على بصيرة).
وَمَنِ
الواو عاطفة، "مَن" اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على الضمير المستتر المؤكد بـ "أنا" (أو معطوف على أنا المبتدأ).
اتَّبَعَنِي
فعل ماض والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَسُبْحَانَ اللَّهِ
الواو عاطفة أو استئنافية، "سبحان" مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أسبح الله تسبيحاً، واسم الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَمَا أَنَا
الواو عاطفة، "ما" نافية تعمل عمل ليس، "أنا" اسمها في محل رفع.
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
جار ومجرور في محل نصب خبر "ما"، والمجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلخيص السورة في ميثاق الدعوة والتوحيد:
جاءت هذه الآية بمثابة التتويج والتاج لسورة يوسف بأسرها؛ فيوسف عليه السلام عاش حياته كلها داعياً إلى الله على بصيرة؛ في بيت العزيز، وفي ظلمات السجن حين قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}، وعلى عرش مصر، فجاء الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يسير على هذا الصراط الأقوم ويعلن دستوره الخالد: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}.
الاقتران بين البصيرة ونفي الشرك:
الجمع بين الدعوة على بصيرة وتنزيه الله ونفي الشرك: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يقرر أن البصيرة الحقيقية تثمر التوحيد الخالص والبراءة من كل أشكال الشرك وأهله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التقليد الأعمى والجهل في الدين:
تنسف هذه الآية مزاعم الملاحدة بأن الدين مبني على الجهل والإيمان الأعمى غير المبرهن؛ فالقرآن يقرر صراحة أن شرط الدعوة والاتباع هو "البصيرة"؛ أي العلم العقلي الرصين، والبرهان القطعي، والحجة الساطعة؛ فمن دعا بجهل أو خرافة أو هوى فليس على سبيل محمد صلى الله عليه وسلم.
تعريف السبيل بالإضافة {سَبِيلِي} والإشارة القريبة {هَٰذِهِ}:
الإشارة بـ {هَٰذِهِ} للقريب الحاضر المشهود؛ أي هذا الصراط النير الواضح كالشمس هو سبيلي لا أحيد عنه.
التنكير في {بَصِيرَةٍ}:
تنكير للتعظيم والكمال؛ أي على أعلى مراتب البصيرة واليقين الذي لا يداخله شك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وظيفة الأمة المحمدية هي الدعوة إلى الله:
من مقتضى قوله: {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} أن كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم فهو مكلف بالدعوة إلى الله وبلاغ دينه بحسب علمه واستطاعته؛ فالدعوة ليست وظيفة طبقة كهنوتية، بل هي رسالة كل مسلم ومسلمة.
وجوب التسلح بالعلم الشرعي قبل التصدر للدعوة:
لا يجوز لمسلم أن يدعو إلى الله بجهل؛ فمن دعا بغير بصيرة أفسد أكثر مما يصلح؛ فالعلم بالحق، والعلم بحال المدعو، والعلم بطريقة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة هي أركان البصيرة الواجبة.