تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتخفيف حزنه على كفر قومه:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 273)مصدر غير محدد١٦/٢٧٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً جداً على إيمان قريش، وتمنى لما سألوه عن قصة يوسف وأجابهم بهذا البيان الإعجازي الباهر أن يسلموا ويؤمنوا بنبوته؛ فلما رأى استمرارهم على التكذيب والعناد حزن حزناً شديداً، فأنزل الله تعالى تسلية له وتثبيتاً لفؤاده: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.
بيان سنة الله في كثرة المعرضين:
قال ابن كثير (4/ 427)مصدر غير محدد٤/٤٢٧: «يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن أكثر بني آدم معرضون عن الهدى، مجبولون على العناد والاتباع للهوى، فلو بذلت كل وسعك وحرصت بكل جهدك على هدايتهم وإيمانهم، فلن يؤمن منهم إلا من سبقت له السعادة في علم الله؛ كقوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حَرَصْتَ
الحرص: شدة الرغبة في الشيء وبذل أقصى الجهد في تحصيله؛ مأخوذ من حرَص القَصّار الثوب إذا شقه من شدة غسله.
بِمُؤْمِنِينَ
الباء حرف جر زائد لتوكيد النفي، والمؤمن من صدّق بالحق وانقاد له ظاهراً وباطناً.
وَمَا
الواو استئنافية، "ما" نافية تعمل عمل ليس (أو حجازية أو تميمية).
أَكْثَرُ
اسم ما مرفوع بالضمة (أو مبتدأ)، وهو مضاف.
النَّاسِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَلَوْ حَرَصْتَ
الواو حالية أو اعتراضية، "لو" شرطية تفيد التقليل والمبالغة، "حرصت" فعل ماض والتاء فاعل، وجواب لو محذوف دل عليه سياق الكلام، وجملة "ولو حرصت" اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
بِمُؤْمِنِينَ
الباء حرف جر زائد لتوكيد النفي، "مؤمنين" اسم مجرور لفظاً بالياء منصوب محلاً على أنه خبر "ما" الحجازية (أو في محل رفع خبر المبتدأ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قطع وهم الربط بين قوة البرهان واستجابة المعاندين:
بعد أن أورد الله قصة يوسف المعجزة التي لا يملك عاقل دفعها، خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُظن أن المعاندين لم يؤمنوا لنقص في الدليل؛ فبين الله أن العلة ليست في الحجة، فالحجة ساطعة كالشمس، ولكن العلة في قلوبهم الميتة وعنادهم المستحكم: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.
الاعتراض بـ {وَلَوْ حَرَصْتَ}:
جملة اعتراضية بليغة تفيد الغاية في بذل الجهد؛ أي: لو استفرغت أقصى طاقات الحرص والشفقة فلن يتغير من سنن القلوب المعاندة شيء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة القنوط من الدعوة أو تعطيل التبليغ:
قد يظن جاهل أن الإخبار بقلة المؤمنين يدعو إلى التكاسل واليأس من الدعوة؛
والجواب العقلي والدعوي الحاسم:
أن هذا الإخبار إنما سيق لضبط توقعات الداعية وحمايته من الإحباط والانهيار النفسي؛ فالداعية عليه البلاغ المبين وليس عليه هداية التوفيق: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}؛ فالواجب العمل الدؤوب مع الرضا بقضاء الله في قلوب العباد.
التوكيد بالباء الزائدة {بِمُؤْمِنِينَ}:
تأكيد قاطع للنفي؛ لدفع أي طمع في إيمان الجموع المعاندة التي اتخذت قرار الجحود مسبقاً.
التعبير بـ {أَكْثَرُ النَّاسِ}:
تقرير لمعيار قرآني عام: أن الكثرة المجردة في القرآن ليست مقياساً للحق والصواب، بل الحق يُعرف بذاته لا بعدد أتباعه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة "الحق لا يُقاس بالكثرة":
المؤمن لا يستوحش من قلة السالكين، ولا يغتر بكثرة الهالكين؛ فالكثرة في القرآن مذمومة في غالب المواطن: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.
تسلية الدعاة عند إعراض المدعوين:
إذا رأى الداعية والمصلح إعراض الناس عن دعوته رغم وضوح حجته، فليتأسّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم أن هداية القلوب بيد الله وحده، وأنه مأجور على بذله وحرصه لا على استجابة الناس له.