تدبير وضع السقاية في وعاء بنيامين:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 192)مصدر غير محدد١٦/١٩٢ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: لما فرغ يوسف عليه السلام من كيل الطعام لهم وتجهيزهم بالزاد ليرجعوا إلى بلادهم، أمر بعض فتيانه المقربين خفية أن يضعوا {السِّقَايَةَ} -وهي الإناء الملكي النفيس الذي كان الملك يشرب به وكان يوسف يكيل به الطعام للمشترين- فجعلوها في رحل وعاء أخيه بنيامين دون علم بقية الإخوة.
انطلاق العير وتأذين المؤذن:
فلما ارتحلت قافلتهم وسارت قليلاً خارج مجلس الملك، أذن مؤذن وصاح صائح فيهم: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}.
قال ابن كثير (4/ 407)مصدر غير محدد٤/٤٠٧: «كان هذا التدبير وحياً وإلهاماً من الله تعالى ليوسف؛ ليتوصل به إلى حبس أخيه عنده في مصر بحكم شريعة إخوته أنفسهم، كما قال تعالى: {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}. والمؤذن الذي نادى لم يكن يعلم بحيلة يوسف ولا بتواطئه مع أخيه، بل أذن لما افتقدوا صواع الملك فظنوا أن القوم قد سرقوه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
السِّقَايَةَ
مشربة من ذهب أو فضة كان يشرب بها، وسُميت سقاية لأنها يُسقى بها؛ وكانت تستعمل أيضاً مكيالاً للغلال.
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب. "جعل" فعل ماض والفاعل مستتر هو (يوسف)، "السقاية" مفعول به أول منصوب بالفتحة.
فِي رَحْلِ أَخِيهِ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لـ "جعل"، و"رحل" مضاف، و"أخيه" مضاف إليه مجرور بالياء والهاء مضاف إليه.
ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ
"ثم" حرف عطف يفيد التراخي والمهلة، "أذن" فعل ماض، "مؤذن" فاعل مرفوع بالضمة.
أَيَّتُهَا الْعِيرُ
"أيّ" منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، و"ها" للتنبيه، "العير" نعت أو بدل مرفوع لفظاً بالضمة.
إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ
"إن" حرف توكيد ونصب والكاف اسمها والميم للجمع، اللام المزحلقة، "سارقون" خبر إن مرفوع بالواو، والجملة تفسيرية للنداء أو في محل نصب مقول القول لمحذوف تقديره: قائلاً إنكم لسارقون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حرف العطف {ثُمَّ} ودلالته الإجرائية:
استعمال "ثم" في قوله: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} يدل على أن المؤذن لم يصرخ في وجوههم وهم في القصر، بل انتظر حتى ارتحلوا وخرجوا بالقافلة، ليكون الموقف أبعد عن الشبهة وأوقع في نفوسهم وفي نفوس الحاضرين، ولتتحقق المفاجأة المذهلة.
التعبير بـ {السِّقَايَةَ} ثم بـ {صُوَاعَ الْمَلِكِ}:
عبر في فعل يوسف بـ {السِّقَايَةَ}، وفي كلام الفتيان بـ {صُوَاعَ الْمَلِكِ}؛ لأنها كانت إناء واحداً يؤدي الوظيفتين: يُشرب به فيسمى سقاية، ويُكال به فيسمى صُواعاً؛ والتفنن في التعبير اللفظي من بدائع الفصاحة القرآنية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الكذب في رمي الأبرياء بالسرقة:
استشكل الملاحدة وبعض المستشرقين: كيف ينسب يوسف عليه السلام السرقة إلى إخوته وهم برآء، وهل يجوز لنبي أن يتهم الناس كذباً؟
والجواب العلمي والأصولي المحكم من وجوه قطعية:
أن المنادي {أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} لم يكن يوسف، بل كان من خدم الملك وحراسه الذين فقدوا الصواع بالفعل، فظنوا أن القافلة التي خرجت للتو هي التي أخذته، فالمنادي نادى بحسب ظنه وعلمه دون أن يكذب متعمداً.
أن يوسف عليه السلام كان يتحرك بأمر الله ووحيه؛ كما نص القرآن صراحة: {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}، والكيد الإلهي هنا هو تدبير حكيم بالحق لغايات تشريعية وتربوية عليا لاستنقاذ بنيامين وجمع شمل آل يعقوب وتطهير الإخوة بالتوبة.
أن بنيامين كان عالماً بالخطة ومتواطئاً عليها وراضياً بوضع الإناء في رحله كما تقدم في قوله: {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ}، فلم يقع عليه ظلم ولا هتك لعرضه؛ بل كان ذلك تدبيراً متفقاً عليه بينهما.
قال بعض المحققين: إن كان المؤذن نادى بأمر يوسف، فمراده التورية بالسرقة السابقة؛ أي: إنكم لسارقون ليوسف من أبيه حين غيبتموه في الجب، والمورّي لا يكون كاذباً في باطن أمره.
الجرس المباغت في النداء {أَيَّتُهَا الْعِيرُ}:
نداء القافلة بأسرها بصيغة المباغتة يلقي جواً من الاضطراب والذهول؛ فالقافلة التي خرجت محملة بالفضل والإكرام تتوقف فجأة أمام تهمة جنائية خطيرة تقلب الموازين.
التوكيد بـ "إنّ" واللام في {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}:
لبيان يقين المنادي الجازم بما يقول، مما استدعى من الإخوة ردة فعل سريعة للدفاع عن شرفهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
جواز التدبير والحيلة الشرعية لإحقاق الحق:
الحيلة إذا لم تبطل حقاً ولم تحق باطلاً، بل كانت سبيلاً لدفع ظلم أو جمع شمل أو إقامة شريعة، فهي حيلة محمودة مشروعة؛ وقد سماها الله كيداً ربانياً مباركاً.
رباطة الجأش عند مواجهة التهم المفاجئة:
المؤمن الصادق إذا فوجئ باتهام باطل لا ينهار ولا يتخبط، بل يقف شامخاً ليبرهن على براءته بالحجة والبيان، كما فعل إخوة يوسف في الآية التالية.