بهتان الإخوة وطعنهم في يوسف وشقيقه بنيامين:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 206)مصدر غير محدد١٦/٢٠٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي وسعيد بن جبير: لما رأى الإخوة الصواع يُستخرج من رحل بنيامين، أصابتهم صدمة عنيفة، وبدلاً من أن يتثبتوا أو يستغفروا، اندفعت نوازع الضغينة القديمة في صدورهم، فتبرؤوا من بنيامين فوراً وطعنوا فيه وفي أخيه الشقيق يوسف، وقالوا للملك وأعوانه: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}؛ أي لا عجب إن سرق هذا الفتى الصواع، فإنه ليس غريباً على طباعه، فقد كان له أخ شقيق من أمه (يقصدون يوسف) سرق قبله أيضاً، فهما يتشابهان في هذا الطبع ولا يشبهاننا!
بيان قصة "السرقة" المزعومة المدعاة على يوسف في صغره:
ذكر المفسرون روايات مأثورة في المراد بقولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}:
أخرج ابن جرير عن مجاهد ومحمد بن إسحاق: أن عمة يوسف (أخت يعقوب) كانت تحبه حباً شديداً ولم تطق فراقه حين أراد يعقوب أخذه منها، فعمدت إلى منطقة إسحاق عليه السلام (حزامه الموروث للبركة) فربطتها تحت ثياب يوسف وهو صبي صغير لا يشعر، ثم ادعت ضياعها وفتشت البيت، فاستخرجتها من تحت ثياب يوسف، وكان حكمهم استرقاق السارق، فأخذته عمته بحكم السرقة ليبقى عندها محبةً فيه لا سرقةً منه.
وقيل: كان قد أخذ صنماً لجد أمه (أبي أمه) فكسره وألقاه في الجيزة لئلا يعبدوه، فسموا ذلك سرقة.
وقيل: هي فرية واختلاق محض من الإخوة لغسل أيديهم من العار أمام أهل مصر ورمي التهمة على أخي العزيز وشقيقه للتخلص من تبعة الموقف.
حلم يوسف العظيم وسرّه المكتوم:
قال ابن كثير (4/ 411)مصدر غير محدد٤/٤١١: «{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}؛ أي كظم غيظه، وصبر على بهتانهم وظلمهم له في وجهه دون أن يعلموا أنه يوسف، وحلم عنهم حلم الأنبياء العظام، وقال في نفسه مسراً: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}؛ أي أنتم أشر منزلة وقدراً عند الله بما صنعتم بأخيكم يوسف حين سرقتموه من أبيه وألقيتموه في الجب، والله أعلم بكذبكم وافترائكم فيما تصفون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَسَرَّهَا
الإسرار: كتمان الشيء وإخفاؤه في النفس؛ وهو ضد الإعلان والإبداء.
الشر ضد الخير، ومكاناً تمييز؛ أي أردأ منزلة وأسوأ حالاً وعاقبة.
تَصِفُونَ
الوصف: الإخبار عن الشيء بحاله وهيئته؛ واستعمل هنا في بهتانهم وكذبهم المختلق.
۞ قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
إِن يَسْرِقْ
"إن" حرف شرط جازم، "يسرق" فعل مضارع مجزوم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على بنيامين.
فَقَدْ سَرَقَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، "قد" حرف تحقيق، "سرق" فعل ماض، والجملة في محل جزم جواب الشرط (أو دليل الجواب المحذوف).
أَخٌ لَّهُ
"أخ" فاعل مرفوع بالضمة، "له" جار ومجرور نعت لـ "أخ".
مِن قَبْلُ
جار ومجرور مبني على الضم في محل جر بـ "من" متعلق بـ "سرق".
فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ
الفاء عاطفة، "أسرّ" فعل ماض والهاء مفعول به تعود على الكلمة أو المقالة أو على قوله في نفسه {أنتم شر مكاناً}، "يوسف" فاعل مرفوع بالضمة.
فِي نَفْسِهِ
متعلق بـ "أسرها".
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ
الواو عاطفة، "لم" جازمة، "يبدها" فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل هو والهاء مفعول به، "لهم" متعلق بـ "يبدها".
قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ
"قال" فعل ماض والفاعل مستتر هو (قال ذلك في نفسه أو خفية)، "أنتم" ضمير منفصل مبتدأ، "شر" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
مَّكَانًا
تمييز منصوب بالفتحة.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الواو عاطفة أو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ، "أعلم" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
بِمَا تَصِفُونَ
الباء حرف جر، "ما" موصولة أو مصدرية، وجملة "تصفون" صلتها، والجار والمجرور متعلق بـ "أعلم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انكشاف الطبع القديم عند الشدائد:
جاء هذا الموقف ليمتحن توبة الإخوة وصدقهم؛ فبمجرد أن أحرجهم موقف الصواع، نسوا ميثاق أبيهم، ونسوا أخوتهم، وبادروا إلى رمي يوسف وبنيامين بالسرقة والوراثة السيئة: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}؛ ليتبرؤوا أمام عزيز مصر، مما برهن ليوسف على صواب قراره في حجز شقيقه عنده لإنقاذه من بيئة الجفاء هذه.
روعة المقابلة بين الغيظ والحلم:
بينما يطعنون في عرضه وهو يسمعهم، لم ينفعل يوسف ولم يفضحهم بالقول: "أنا يوسف الذي سرقتموه!"؛ بل كظم غيظه كظماً تاماً: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، ورد بالحجة الباطنة والتفويض لله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة السرقة الحقيقية عن نبي الله يوسف:
زعم الجهلة أن يوسف سرق في صغره بنص الآية؛
وهذا افتراء عظيم رد عليه أئمة المحققين (ابن تيمية، ابن كثير، القرطبي):
فإن الآية حكت مقالة الإخوة الكاذبين، ومقالة الخصم على خصمه ليست حجة شرعية ولا تاريخية؛ ومع ذلك فإن الروايات التي ذكرت الحزام أو الصنم تبين أنه كان صبياً لم يبلغ سن التكليف أصلاً، وأن حيلة عمته كانت برغبتها هي في حبسه حباً، أو كان إتلافاً لصنم منكر، ولا يسمى شيء من ذلك سرقة في الشرع؛ ولكن الإخوة طوعوا الألفاظ بهتاناً وعدواناً.
البلاغة في ضمير {فَأَسَرَّهَا}:
إبهام الضمير ثم بيانه بالجملة اللاحقة {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا}، يعكس حركة الوجدان الداخلي وحرارة الصبر وضبط الانفعال؛ فالصبر عند الصدمة الأولى هو المحك الأسمى للنبل.
التذييل بـ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}:
تذييل يوحي بأن كذبهم ومكرهم مفضوح عند الله تعالى، وأنه سبحانه سيظهر الحق ويبطل هذا الوصف الزائف في حينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضيلة كظم الغيظ والحلم عند المقدرة:
يوسف ملك وقادر على أن يبطش بهم بكلمة واحدة ويأمر بقتلهم أو حبسهم، ومع ذلك كظم غيظه وعفا؛ وهذا هو خلق الأنبياء والكرام: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
الحذر من الاندفاع في اتهام القرابات عند المآزق:
الخلق الدنيء يظهر حين يتبرأ الإنسان من أهله وأقاربه عند الأزمات ليفدي نفسه بالطعن فيهم؛ والمؤمن يثبت مع إخوانه ولا يحمله الخوف على الافتراء.