تحديد المفقود وإعلان المكافأة والضمانة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 195)مصدر غير محدد١٦/١٩٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن إسحاق: أجابهم أعوان يوسف ومنادوه: {نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ}؛ وهو الإناء المكيل المصنوع من الذهب أو الجوهر النفيس الذي يشرب به ويكال به، ورغب المنادي في إظهاره بجائزة مجزية فقال: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} من الطعام؛ وضمن المنادي ذلك بنفسه فقال: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي كفيل ضامن أؤديه إليه من غير تأخير.
تأسيس أحكام الجعالة والكفالة في الشريعة الإسلامية:
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 231)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٣١: «استدل علماء الإسلام بهذه الآية الكريمة على أصلين عظيمين من أصول المعاملات الفقهية:
عقد الجُعالة: وهو التزام عوض معلوم على عمل معلوم أو مجهول يعسر ضبطه (كرد الضالة أو المفقود)؛ لقوله: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}.
عقد الكفالة والضمان (الحَمالة): وهو التزام أداء حق ثابت في ذمة الغير؛ لقوله: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، أي ضامن وكفيل».
وقد روى الترمذي (حديث رقم 2120)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٢٠ وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ»، أي الضامن مؤدٍ لما ضمنه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
صُوَاعَ
الصواع (ويذكر ويؤنث، ويقال صُواع وصَوْع): إناء يُكال به ويكال، وهو الصاع؛ وأضيف إلى الملك تشريفاً وبياناً لنفاسته وأهميته.
حِمْلُ بَعِيرٍ
الحِمل (بالكسر): ما يحمله الحيوان على ظهره، وحِمل البعير: الوسق وهو ستون صاعاً تقريباً بمكيالهم.
زَعِيمٌ
الزعيم: الكفيل والضامن؛ مأخوذ من الزعامة وهي الكفالة والرئاسة؛ يقال: زعم بالمال يزعم زعماً وزعامة فهو زعيم إذا تكفل به وتعهده.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ
جملة مقول القول. "نفقد" فعل مضارع والفاعل نحن، "صواع" مفعول به منصوب، "الملك" مضاف إليه مجرور.
وَلِمَن
الواو استئنافية، اللام حرف جر، "من" اسم موصول مبني في محل جر باللام، وشبه الجملة في محل رفع خبر مقدم.
جَاءَ بِهِ
فعل ماض وفاعله مستتر، "به" متعلق بـ "جاء"، وجملة صلة الموصول لا محل لها.
حِمْلُ بَعِيرٍ
"حمل" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف، "بعير" مضاف إليه مجرور.
وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ
الواو عاطفة أو حالية، "أنا" ضمير منفصل مبتدأ، "به" متعلق بـ "زعيم"، "زعيم" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إشاعة الطمع في الجائزة لنفي تهمة القهر:
إعلان المكافأة {حِمْلُ بَعِيرٍ} والضمانة الشخصية {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} ينفي عن مجلس العزيز شبهة البطش العشوائي؛ فالأمر يدور في إطار التحري القضائي المحكم والتحفيز السخي لمن يرد المفقود، مما زاد من ثقة الإخوة ودفعهم للموافقة التامة على التفتيش.
إسناد الصواع إلى الملك:
قوله: {صُوَاعَ الْمَلِكِ} يوضح أن المفقود ليس إناءً عادياً يمكن التغاضي عنه أو تعويضه بمال يسير، بل هو رمز سيادي رفيع ذو قيمة معنوية ومادية بالغة في ديوان الحكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة بطلان الجعالة لجهالة وزن حمل البعير بدقة:
قد يستشكل فقيه: كيف تصح الجعالة بحمل بعير وهو يختلف باختلاف الجمال وقوتها؟
والجواب الفقهي المحكم:
أن حمل البعير كان في عرف أهل مصر مكيالاً معلوماً ومحدداً بدقة (وهو الوسق المقدر بأوزانهم الرسمية)، والشريعة تعتبر العرف المنضبط في الجهالة اليسيرة التي لا تفضي إلى نزاع، وصحت الجعالة في الشريعة الإسلامية بالإجماع تأسيساً على هذه الآية وتطبيقات السنة النبوية.
البلاغة في التوكيد بـ {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}:
جملة اسمية مؤكدة بضمير الفصل والخبر الدال على الوثاقة؛ لقطع أي ريبة لدى السامعين في مصداقية الجائزة؛ فالزعيم الكفيل رجل ذو مكانة وشأن نافذ كلمته قطعية.
التوازن بين التحديد والترغيب:
تحديد المفقود بدقة {صُوَاعَ الْمَلِكِ}، وتحديد الجعل بسخاء {حِمْلُ بَعِيرٍ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الكفالة والضمان في المعاملات المالية:
الكفالة من أعظم أبواب التعاون والتكافل بين الناس؛ فالضامن يقضي حاجة الملهوف ويبعث الطمأنينة في قلب صاحب الحق، والوفاء بالضمان شرف وأمانة.
التحفيز المادي في استرداد الحقوق وحل الأزمات:
استعمال المكافآت والجوائز المشروعة أسلوب إداري فعال في الكشف عن المفقودات وضبط الأمن ومحاربة الجريمة.