نزول النصر الإلهي الحاسم عند تناهي الكرب وشدة الابتلاء:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 289)جامع البيانالطبري١٦/٢٨٩ وابن أبي حاتم والبخاري ومسلم: يخبر الله تعالى عن سنته المطردة مع رسله وأتباعهم المؤمنين؛ أن النصر لا ينزل إلا بعد شدة وزلزال وتمحيص عظيم حتى تبلغ القلوب الحناجر وتنقطع كل الأسباب الأرضية؛ فقال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}.
المعركة التفسيرية والحديثية الكبرى بين قراءتي {كُذِبُوا} و{كُذِّبُوا}:
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا}، حديث رقم 4695) عن عروة بن الزبير قال: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: {أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أهو مُخَفَّفٌ أم مُشَدَّدٌ؟
قالت عائشة: «مُشَدَّدٌ {كُذِّبُوا}؛ قلت: قد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟
قالت عائشة: أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، قُلْتُ لَهَا: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} بِالتَّخْفِيفِ؟
فقالت عائشة رضي الله عنها معظمةً: مَعَاذَ اللَّهِ! مَا كَانَتِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا! وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ فَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلاَءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ».
توجيه قراءة ابن عباس بالتخفيف {كُذِبُوا}:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قراءة التخفيف {كُذِبُوا} مخففاً مبنياً للمجهول: «لما أبطأ النصر على الرسل، وطال عليهم العذاب والشدة، أتاهم الشيطان فوسوس في صدورهم: لعل ربكم قد أخلفكم موعد النصر الذي وعدكم إياه، فظنت الرسل أن نفوسهم قد كذبتهم في ذلك، أو ظنوا أن ما خطر ببالهم قد كذبهم موعد النصر؛ وضعف البشرية يلحقهم في مثل هذه المضائق الشديدة».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (8/ 379)فتح الباري بشرح صحيح البخاريابن حجر العسقلاني٨/٣٧٩: «وكلا القولين لعائشة وابن عباس له وجه وجيه؛ فقراءة التشديد {كُذِّبُوا} أي تيقن الرسل أن أقوامهم كذبوهم تكذيباً لا رجاء بعده في الإيمان، وقراءة التخفيف {كُذِبُوا} إما أن الظان هم الأتباع ظنوا أن الرسل كذبوهم، أو أن الرسل ظنوا أن الأتباع كذبوهم، أو هو خطرة بشرية دفعها الله بنزول النصر الحاسم».
القراءات في {فَنُجِّيَ}:
قرأ الجمهور: {فَنُجِّيَ} بنون واحدة مضمومة وجيم مكسورة مشددة وياء مفتوحة مبنياً للمفعول؛ أي فَنُجِّيَ من نشاء نجاته وهم المؤمنون.
وقرأ عاصم وابن عامر: {فَنُنْجِي} بنونين؛ الأولى مضمومة والثانية ساكنة مخفاة وتخفيف الجيم المكسورة، على صيغة الفعل المضارع المسند لنون العظمة؛ أي فنحن ننجي من نشاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اسْتَيْئَسَ
السين والتاء للمبالغة في انقطاع الرجاء في إيمان أقوامهم.
بَأْسُنَا
البأس: العذاب الشديد والنكال وبطش الله بالظالمين.
الْمُجْرِمِينَ
جمع مجرم، وهو مرتكب الجرم والذنب العظيم بالكفر والتكذيب.
حَتَّىٰ
حرف غاية وابتداء.
إِذَا
ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ
فعل ماض والفاعل مرفوع، والجملة مضاف إليها لـ "إذا".
وَظَنُّوا
معطوف على استيأس والواو فاعل.
أَنَّهُمْ
"أن" حرف ناسخ والهاء اسمها.
قَدْ كُذِبُوا
"قد" تحقيق، "كُذبوا" فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل (وعلى قراءة كُذِّبوا بالتشديد)، وجملة "قد كذبوا" خبر أن، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي "ظنوا".
جَاءَهُمْ نَصْرُنَا
جواب الشرط لـ "إذا" لا محل له من الإعراب. "جاء" فعل ماض والهاء مفعول به، "نصرنا" فاعل مرفوع و"نا" مضاف إليه.
فَنُجِّيَ
الفاء عاطفة، "نُجي" فعل ماض مبني للمجهول (أو مضارع فَنُنْجِي).
مَن نَّشَاءُ
"مَن" اسم موصول في محل رفع نائب فاعل لـ "نُجي" (أو في محل نصب مفعول به لـ "نُنْجي")، وجملة "نشاء" صلة الموصول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير الذروة النفسية لمعركة الإيمان والكفر:
هذه الآية ترسم مشهداً كونياً ونفسياً مذهلاً لمعاناة الرسل؛ فالأمر ليس هيناً؛ بل هو صراع طويل، وسنوات من الاضطهاد، وتكذيب تلو تكذيب، حتى يبلغ الرسل قمة اليأس من إيمان أقوامهم، وتضيق عليهم الأرض بما رحبت؛ فإذا بلغت الشدة مداها وانقطعت حبال الخلق، انفتحت أبواب السماء: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}.
سنة النجاة والهلاك المتقابلين:
تختم الآية ببيان ثنائية المصير: نجاة خاصة للمؤمنين برحمة الله ومشيئته: {فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ}، وهلاك حتمي لا رادّ له للمجرمين: {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الشك في وعد الله من الرسل:
نزهت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الرسل الكرام عن الشك في وعد الله بالنصر؛ فالأنبياء معصومون من الشك في صدق الله؛ ولكن ما يعتريهم في ساعات الشدة القصوى إنما هو الخوف من تأخر النصر لعدم استيفاء الشروط أو امتحان الأتباع، أو ظنهم أن القوم قد استجمعوا قواهم على التكذيب التام، فجاء النصر الإلهي رداً على كل شبهة وتثبيتاً لعصمة النبوة.
البلاغة في الغاية بـ {حَتَّىٰ}:
تفيد مدة الصبر والمصابرة الشاقة؛ فلم يكن النصر رخيصاً ولا سريعاً، بل استلزم جهاداً مريراً حتى بلغ الغاية.
التذييل بـ {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}:
جملة تفيد الحتمية والصرامة الإلهية؛ فإذا نزل أمر الله بالعذاب فلا قوة في الأرض، لا مال ولا حصون ولا عسكر، تقدر على رد بأس الله عن المجرمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة التمحيص واقتراب النصر مع اشتداد الكرب:
أعظم زاد للدعاة والمجاهدين في سبيل الله: اليقين بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً؛ فحين تشتد حلكة الظلام فاعلم أن الفجر قد أزف شروقه.
حتمية العقاب للمجرمين:
لا يغتر الظالمون بإمهال الله لهم؛ فإذا حان وعد الله نزل البأس الذي لا طاقة لهم به، ونجى الله أولياءه برحمته.