رفض يوسف القاطع لمبدأ العقوبة الجماعية أو الفداء الجائر:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 212)مصدر غير محدد١٦/٢١٢ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق: لما تذلل له الإخوة وعرضوا أن يسترق أحدهم بدلاً من بنيامين، أجابهم يوسف عليه السلام بحزم وعدالة النبوة المطلقة فقال: {مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ۖ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ}؛ أي نلجأ إلى الله ونعتصم به من أن نظلم بريئاً فنأخذه بذنب غيره، ولا نأخذ إلا الشخص الذي عثرنا على الصواع في وعائه، وإننا إن أخذنا بريئاً وتركنا المتهم لكنا ظالمين متعدين لحدود العدل والقسط.
التدقيق اللغوي المعجز في قوله: {مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ}:
نبه أئمة التحقيق (كالقرطبي وابن كثير وابن القيم والشنقيطي) على بلاغة يوسف الفائقة وتورعه النبوي الشريف؛ حيث لم يقل: "معاذ الله أن نأخذ إلا من سرق"، بل عدل إلى التعبير الصادق المطابق للواقع الحقيقي: {إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ}؛ لأنه كان يعلم يقيناً أن أخاه بنيامين لم يسرق الصواع بل وُضع في رحله، فلو قال "إلا السارق" لكان كاذباً في باطن الأمر؛ فصدق في لفظه وظاهره وباطنه دون أن يكشف حقيقة الخطة!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَعَاذَ اللَّهِ
المعاذ: المصدر الميمي من عاذ يعوذ عياذاً ومعاذاً، وهو اللجوء والاعتصام والتحصن بالله تعالى من الشر والظلم.
مَتَاعَنَا
المتاع: الصواع الذي فقدوه؛ وعبر بالمتاع ليشمل كل ما ينتفع به.
لَّظَالِمُونَ
اللام المزحلقة، والظالم من يضع العقوبة على غير مستحقها وينتهك ميزان القسط.
قَالَ
فعل ماض وفاعله مستتر (يوسف).
مَعَاذَ اللَّهِ
مفعول مطلق لفعل محذوف وجوباً تقديره: نعوذ بالله معاذاً، واسم الجلالة مضاف إليه مجرور، والجملة مقول القول.
أَن نَّأْخُذَ
"أن" مصدرية، "نأخذ" فعل مضارع منصوب بأن والفاعل نحن، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف تقديره: من أن نأخذ، والجار والمجرور متعلق بـ "معاذ".
إِلَّا
أداة حصر.
مَن
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ "نأخذ".
وَجَدْنَا
فعل ماض وفاعله، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب.
مَتَاعَنَا
مفعول به أول منصوب لـ "وجدنا" و"نا" مضاف إليه.
عِندَهُ
ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف مفعول به ثان لـ "وجدنا" والهاء مضاف إليه.
إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ
"إن" واسمها، "إذن" حرف جواب وجزاء لا عمل له، اللام المزحلقة للتوكيد، "ظالمون" خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الحجة وإسقاط محاولة الفداء:
رد يوسف رد القاضي العادل المتمسك بالشرع الذي ارتضوه هم في الآية (75): {جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}؛ فاحتج بكلامهم ذاته، وأظهر لهم أن طلبهم استبدال بريء بمتهم نقضٌ لقواعد العدل التي نادوا بها، وبذلك قطع كل طريق لإنقاذ بنيامين.
التأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية الجنائية:
جملة {إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ} تؤكد أصلاً قرآنياً عظيماً تقرره الشريعة في كل العصور: أن الجريمة فردية لا تتعدى إلى الأبرياء: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة القسوة في عدم استجابة يوسف لرجائهم في والده:
قد يظن ظان أن يوسف قسى على إخوته وعلى والده برفض هذا الاستعطاف؛
والجواب العقلي والحكمي الساطع:
أن يوسف عليه السلام لم يكن يتصرف بهواه الشخصي، بل كان مسيراً بأمر الله ووحيه في إتمام الابتلاء العظيم الذي يسبق الفرج الأكبر، وكان يعلم أن إبقاء بنيامين عنده هو النعيم والأمان له، وأن هذه المحنة هي المحطة الأخيرة التي ستجمع شمل الأسرة النبوية كلها في مصر في ظلال العزة.
البلاغة الفائقة في التعبير بـ {مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ}:
قمة التورع والصدق النبوي المعصوم؛ فلم ينسب إلى بنيامين السرقة كذباً، بل وصف الواقع الحسي الصادق دون زيادة؛ وهو درس بليغ في الاحتراز اللفظي عند الفتوى والقضاء.
التوكيد بالاستعاذة {مَعَاذَ اللَّهِ}:
تصدير الجواب بالاستعاذة لبيان بشاعة الظلم والنفور المطلق منه عند أهل النبوة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم جواز أخذ البريء بذنب المجرم:
أصل دستوري وقضائي عظيم في الإسلام: لا يؤخذ والد بولده، ولا ولد بوالده، ولا قريب بقريبه؛ والعدالة المطلقة تأبى محاباة العواطف على حساب القسط.
التزام الصدق والتورع في الشهادة والوصف:
على المؤمن والقاضي أن يزن كلماته بميزان الذهب؛ فلا يتهم أحداً بما لم يثبت، ويقتصر على الوصف الدقيق المطابق للواقع دون تجريح أو افتراء.