استدراج أعوان يوسف للإخوة لتحكيم شريعتهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 199)مصدر غير محدد١٦/١٩٩ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي وابن إسحاق: لما أقسم الإخوة هذا القسم المغلظ بالبراءة، قال لهم أصحاب يوسف وحراسه بمقتضى التوجيه الذي أوعز به يوسف خفية: {فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ}؟ أي: فما هو حكم السارق وعقوبته في شريعتكم ودينكم إن فتشنا أمتعتكم ووجدنا الصواع في رحالكم وظهر كذبكم في دعوى البراءة؟
قال ابن كثير (4/ 409)مصدر غير محدد٤/٤٠٩: «وهذا السؤال كان من تمام الحيلة التي دبرها الله ليوسف؛ لأن شريعة ملك مصر في عقوبة السارق كانت الضرب وتغريم مثلَي قيمة المسروق، ولم تكن تجيز استرقاق السارق، بينما شريعة آل يعقوب في بلاد الشام كانت تقضي باسترقاق السارق وجعله عبداً للمسروق منه سنة كاملة؛ فأراد يوسف أن يلزمهم بحكم شريعتهم هم بلسانهم، ليمسك أخاه بحكمهم وقضائهم فلا يقدرون على معارضته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَزَاؤُهُ
الجزاء: المكافأة على الشيء، خيراً كان أو شراً، والمراد هنا: العقوبة المقدرة شرعاً أو قانوناً على جريمة السرقة.
كَاذِبِينَ
جمع كاذب، من الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع على سبيل العمد أو التوهم.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل (أصحاب يوسف).
فَمَا جَزَاؤُهُ
الفاء رابطة أو عاطفة تفيد التفريع، "ما" اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، "جزاؤه" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه (أو ما خبر وجزاؤه مبتدأ مؤخر)، والجملة مقول القول.
إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ
"إن" حرف شرط جازم، "كنتم" فعل ماض ناسخ في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمه والميم للجمع، "كاذبين" خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن كنتم كاذبين فما جزاؤه؟
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة الاستدراجية المحكمة في الحوار:
انظر إلى هذا السؤال العبقري: لم يدخل حراس يوسف معهم في جدل حول القسم؛ بل تجاوزوا مرحلة الإنكار إلى مرحلة التحكيم القانوني: {فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ}؛ ليلزموهم بالحجة من أفواههم، بحيث يكون الحكم صادراً منهم لا مفروضاً عليهم من السلطة المصرية.
الربط بين الفاء الاستئنافية والشرط:
الفاء في {فَمَا} تفيد تفريع المحاكمة على دعواهم البراءة؛ كأنهم يقولون: أنتم تدعون الطهارة وتقسمون بالأيمان، فماذا ترضون عقوبة لأنفسكم إن ظهر خلاف ما تقولون؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الإلزام بما لا يلزم:
قد يتساءل باحث: لماذا سألهم عن جزائه ولم يطبق عليهم قانون مصر فوراً؟
والجواب العقلي والتشريعي:
أن هذا هو جوهر الكيد الرباني المصرح به في الآية (76): {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}؛ فلو طبق قانون مصر لضرب بنيامين وغرمه دراهم ولم يستطع إبقاءه في مصر، ويوسف إنما أراد استبقاءه عنده لا إيذاءه، فكان هذا السؤال هو الجسر القانوني الشرعي الوحيد لتحقيق المراد دون مخالفة شريعة العدل.
إيجاز الحذف في جواب الشرط:
حذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه ولإلقاء كامل عبء التحديد على الطرف الآخر، لإحكام توريطهم الأخلاقي بالحكم الذي سيرتضونه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة "إلزام الخصم بما ألزم به نفسه":
أصل عظيم في المناظرة وإقامة الحجج القضائية والسياسية؛ فحين تجعل الخصم هو الذي يضع معيار الحكم، فإنه يعجز عن التراجع أو الاعتراض حين يدور الحكم عليه.
التدرج الدبلوماسي الحكيم في إدارة الخصومات:
الانتقال الذكي من لغة الاتهام إلى لغة القانون والمواثيق يقطع دابر اللجاجة ويصل بالخصومة إلى مآلات عادلة.