اشتراط يعقوب الميثاق الإلهي المغلظ:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 180)مصدر غير محدد١٦/١٨٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي وابن إسحاق: لما رأى يعقوب عليه السلام اضطرارهم، ورأى حاجتهم الماسة إلى الطعام وبضاعتهم قد رُدت إليهم، وأيقن أنه لا محيص من إرسال بنيامين، وافق على إرساله ولكن بشرط أمني وقانوني غليظ لا مدخل فيه للتساهل؛ فقال لهم: {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ}؛ أي عهداً مؤكداً باليمين بالله والحلف بأسمائه العظام أنكم ستردونه إليّ ولن تفرطوا فيه.
الاستثناء الشرعي والعقلي: {إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ}:
قال ابن كثير (4/ 404)مصدر غير محدد٤/٤٠٤: «استثنى يعقوب عليه السلام حالة واحدة لا قدرة للبشر عليها؛ وهي: {إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ}؛ أي إلا أن تغلبوا جميعاً فتهلكوا عن آخركم، أو تُقهروا بعدو قاهر لا قِبل لكم به يحول بينكم وبينه، فيكون حينئذ معذورين لعدم الاستطاعة».
توكيد العهد بالإشهاد الإلهي: {اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}:
أعطى الإخوة أباهم الميثاق المؤكد والأيمان المغلظة، فقال يعقوب عليه السلام حينئذ: {اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}؛ أي الله شاهد وحفيظ ومطلع ورقيب على عهودنا ومواثيقنا هذه، وهو الكفيل بمجازاة من وفى ومن غدر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَوْثِقًا
مصدر ميمي أو اسم للعهد المؤكد والميثاق المغلظ؛ من الوثاقة والرباط الشديد، يقال: واثقه ميثاقاً وموثقاً إذا عاهده عهداً محكماً.
مِّنَ اللَّهِ
أي عهداً معقوداً باسم الله وبالحلف به؛ وقيل: عهداً يرضاه الله ويشهده.
يُحَاطَ بِكُمْ
من الإحاطة؛ أحاط به العدو إذا أحدق به من كل جهة وحصره فلم يترك له منفذاً للهرب؛ واستعملت في القرآن للموت أو الغلبة القاهرة التي لا حيلة معها، ومنه قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}.
وَكِيلٌ
فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ أي حفيظ ورقيب وكفيل، وموكول إليه تدبير الأمر ومجازاة العباد.
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ
"قال" فعل ماض، "لن" حرف نفي ونصب واستقبال، "أرسله" فعل مضارع منصوب بـ "لن" والفاعل أنا والهاء مفعول به، وجملة "لن أرسله" مقول القول.
مَعَكُمْ
ظرف مكان منصوب متعلق بـ "أرسله" والكاف مضاف إليه.
حَتَّىٰ تُؤْتُونِ
"حتى" حرف غاية وجر، "تؤتونِ" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به أول، والمصدر المؤول في محل جر بـ "حتى".
مَوْثِقًا
مفعول به ثان منصوب بالفتحة.
مِّنَ اللَّهِ
جار ومجرور في محل نصب نعت لـ "موثقاً".
لَتَأْتُنَّنِي بِهِ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر أو جواب الميثاق، "تأتنّني" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة، والنون الثانية للوقاية، والياء مفعول به، "به" متعلق بـ "تأتنني".
إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ
"إلا" أداة استثناء، "أن" مصدرية، "يُحاط" فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن، "بكم" شبه جملة نائب فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل (أي: في كل حال إلا حال الإحاطة بكم).
فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ
الفاء عاطفة، "لما" حينية شرطية، "آتوه" فعل ماض والواو فاعل والهاء مفعول به أول، "موثقهم" مفعول به ثان والهاء مضاف إليه، وجملة "آتوه" مضاف إليها.
قَالَ
جواب الشرط، والفاعل هو (يعقوب).
اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
اسم الجلالة مبتدأ مرفوع، "على ما نقول" جار ومجرور وموصول وصلته متعلق بـ "وكيل"، "وكيل" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام العقد والجمع بين الشرع والواقع:
تصرف يعقوب عليه السلام بحكمة النبي الحذر؛ فلم يقبل مجرد الوعود الشفوية العاطفية مثل {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، بل طالب بميثاق إلهي وقسم مغلظ: {مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ}؛ ثم بنى الاستثناء العقلي الدقيق: {إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ}، لئلا يكلفهم ما لا يطيقون من القدر الإلهي الغالب، ثم ختم العقد بالإشهاد على الله: {اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.
التدرج النظمي في الرضوخ للضرورة:
انتقل يعقوب من الرفض التام في الآية (64): {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ...} إلى القبول المشروط المقيد بالعهود الغلاظ في الآية (66) تحت وطأة الحاجة وقوة الحجة وبرهان البضاعة المردودة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة جدوى الميثاق مع من خانوا في الماضي:
قد يُقال: إذا كان الإخوة قد فرطوا في يوسف وكذبوا على أبيهم، فما فائدة أخذ العهد والميثاق منهم الآن؟
والجواب العقلي والفقهي السديد:
أن الأخذ بالأسباب والعهود المغلظة هو أقصى ما يملكه البشر في المعاملات وصيانة الحقوق.
أن الحلف بالله العظيم له مهابة ووقع زاجر في قلوب المؤمنين وأبناء الأنبياء؛ فهم وإن وقعوا في خطيئة الحسد ليوسف، إلا أنهم ليسوا كفاراً ولا مستحلين للغدر المنتهك لاسم الله، والأيام قد ربتهم وأنضجتهم.
أن يعقوب لم يعتمد على ذممهم المجردة، بل فوض الأمر لله وجعل الله وكيلاً على العهد، فاستشعار رقابة الله أعظم حارس للضمير.
البلاغة في توكيد الفعل بـ {لَتَأْتُنَّنِي}:
تأكيد الفعل باللام ونون التوكيد الثقيلة للدلالة على الجزم والإلزام الصارم، بحيث لا يبقى لديهم أدنى عذر في تركه إلا حالة الهلاك الجماعي.
التعبير بـ {إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ}:
بناء الفعل للمجهول وحرف "بكم" يصور المشهد كأن الموت أو العدو دائرة مطبقة انغلقت عليهم من كل صوب فلم يستطيعوا فكاكاً، وهو التعبير الأبلغ عن العجز البشري القاهر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية توثيق الحقوق والالتزامات بالأيمان والمواثيق:
تأسيس شرعي لمبدأ العقود والتوثيق والضمانات في المعاملات وحماية الأنفس والأموال؛ فلا يجوز التهاون في الضمانات اتكالاً على حسن الظن الأعمى.
مراعاة الأعذار القاهرية والقدرية:
العاقل المنصف لا يحمل الناس ما لا يطيقون؛ فيعقوب استثنى القهر والغلبة، وهذا أصل عظيم في الشريعة: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
الرضا بالوكالة الإلهية:
حين يعقد الإنسان أمراً ويأخذ بالأسباب، فليجعل الله وكيله وحسيبه، فمن توكل على الله كفاه، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.