حكم إخوة يوسف باسترقاق السارق بمقتضى شريعتهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 200)مصدر غير محدد١٦/٢٠٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق: أجاب إخوة يوسف دون تردد، انطلاقاً من يقينهم التام ببراءتهم وبراءة أخيهم الصغير، فقالوا: {جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}؛ أي حكمه وعقوبته في ديننا وشريعة أبينا يعقوب: أن من وُجد المسروق في وعائه يسلم نفسه للمسروق منه ليكون عبداً مملوكاً له سنة أو أبداً جزاء ما سرق، {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}؛ أي مثل هذا الجزاء العادل الصارم نجزي في شريعتنا من ظلم بالسرقة والاعتداء على أموال الناس.
قال ابن كثير (4/ 409)مصدر غير محدد٤/٤٠٩: «وهذا هو الذي أراده يوسف عليه السلام تماماً؛ فإنه حكم عليهم بشريعتهم هم وبفتواهم، فألزمهم الحجة من كلامهم، ولم يكن لهم بعد هذا الاعتراف أي سبيل إلى التراجع أو إنكار استرقاق بنيامين حين استُخرج الصواع من رحله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
رَحْلِهِ
وعائه ومتاعه الموضوع على بعيره.
الظَّالِمِينَ
جمع ظالم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه المخصص له؛ والسارق ظالم بتعديه على حق غيره.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ
جملة مقول القول. "جزاؤه" مبتدأ مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه، "مَن" اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ (أي جزاؤه أخذُ من وجد في رحله على حذف مضاف، أو من وجد في رحله هو الجزاء نفسه بتسليم رقبته). وجملة "وُجد في رحله" صلة الموصول لا محل لها، ونائب الفاعل مستتر هو يعود على المسروق أو الصواع.
فَهُوَ جَزَاؤُهُ
الفاء رابطة متضمنة معنى الجزاء أو التوكيد، "هو" ضمير منفصل مبتدأ، "جزاؤه" خبر المبتدأ والهاء مضاف إليه، والجملة الاسمية توكيد للجملة السابقة أو خبر على وجه آخر من الإعراب.
كَذَٰلِكَ
الكاف حرف تشبيه وجر، "ذا" اسم إشارة مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق نائب عن المصدر، واللام للبعد والكاف للخطاب، تقديره: جزاءً مثل ذلك الجزاء نجزي.
نَجْزِي الظَّالِمِينَ
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر نحن، "الظالمين" مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الفخ الشرعي الطوعي:
انظر إلى روعة التقدير الإلهي في النظم؛ نطق الإخوة بالحكم بألسنتهم بحماس وصرامة: {جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}؛ بل وزادوا على ذلك تأكيده بشرعيتهم العريقة: {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}؛ وبذلك أغلقوا على أنفسهم كل أبواب المراوغة أو الاعتراض لاحقاً، ووقعوا في الشرك الذي نصبه يوسف بوحي ربه لاستبقاء أخيه.
تكرار لفظ {جَزَاؤُهُ} ثلاث مرات في الآيتين 74 و75:
{فَمَا جَزَاؤُهُ}، {جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ}، {فَهُوَ جَزَاؤُهُ}؛ هذا التكرار اللفظي يبرز التركيز القضائي الحاسم على تحديد العقوبة بدقة قانونية لا تحتمل التأويل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين استرقاق السارق وشريعة الإسلام الخاتمة:
قد يستشكل سائل: كيف يكون جزاء السارق الاسترقاق في شريعة يعقوب بينما حده في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم قطع اليد؟
والجواب الأصولي المقاصدي:
أن الشرائع السماوية تتفق في الأصول والعقائد ومحاربة الجرائم، وتختلف في تفاصيل الأحكام والعقوبات بحسب المصالح وأحوال الأمم؛ كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. فكان استرقاق السارق شرعاً معتبراً لمن قبلنا من آل يعقوب، ونسخ في شريعتنا بحد السرقة الرادع وهو القطع بشروطه المعروفة.
إطلاق وصف "الظالمين" في {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}:
تسمية السارق "ظالماً" استدعاء لحكم الشريعة الأخلاقي؛ وبيان أن السرقة خروج عن العدل يستوجب زوال الحرية؛ لأن من اعتدى على حقوق الناس فقد استوجب سلب حريته ليعوض ما أفسده.
التوكيد بالجملة الاسمية والضمير {فَهُوَ جَزَاؤُهُ}:
للمبالغة في ترسيخ الجزاء وأن نفس السارق تسلم كعوض عن الجرم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدالة الله في إنطاق العباد بما يلزمهم:
سنة إلهية باهرة: أن الله سبحانه قد يسوق الإنسان لينطق بالحكم الذي يكون سبباً في محاسبته أو إلزامه بالحق وهو لا يشعر؛ لذا كان من كمال الفقه والورع التحفظ في الأحكام وعدم الإفراط في التحدي.
عاقبة المبالغة في التحدي والثقة المفرطة:
الإخوة اندفعوا مفرطين في الشدة ظناً منهم أن الأمر مستحيل، فكانت تلك الشدة وبالاً عليهم حين استخرج الصواع من رحل أخيهم؛ فالاعتدال في الخصومة والاحتياط في الأيمان مسلك الراسخين في العقل.