بيان سنة الله في جنس الرسل وأوطانهم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 285)جامع البيانالطبري١٦/٢٨٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي، والحسن البصري قالوا: رد الله تعالى على كفار مكة الذين استنكروا بشرية الرسول وقالوا: لولا أُنزل علينا ملائكة، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} من بني آدم ليسوا ملائكة، {نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ}؛ أي من أهل المدن والحواضر، ولم يبعث الله نبياً من أهل البادية والخيام؛ لأن أهل الحواضر أكمل عقلاً، وألين قلوباً، وأحسن أخلاقاً، وأعلم بعادات الأمم وسياسة الناس، وأهل البادية فيهم جفاء وغلظة وجهل بالطبائع.
مسألة: هل بُعثت امرأة نبية؟:
استدل جمهور أهل السنة والجماعة (ابن تيمية، ابن كثير، القرطبي) بحصر النبوة في {رِجَالًا} على أنه لم تكن في بني آدم امرأة نبية قط، وأن مريم وآسية وأم موسى وسارة إنما كن صِدّيقات كاملات نلن أعلى مراتب الصديقية والولاية، ولم ينلن النبوة والرسالة؛ لقوله تعالى: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}.
القراءات المتواترة في {نُّوحِي} و{تَعْقِلُونَ}:
قرأ الجمهور (نافع، أبو عمرو، ابن كثير، ابن عامر، أبو جعفر، يعقوب، عاصم في رواية): {نُّوحِي إِلَيْهِمْ} بنون العظمة مفتوحة وكسر الحاء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف العاشر في رواية: {يُوحَىٰ إِلَيْهِمْ} بياء الغيبة مضمومة وفتح الحاء مبنياً للمفعول.
قرأ الجمهور: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} بتاء الخطاب لمشركي قريش. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر: {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} بياء الغيبة للكفار المعرضين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
رِجَالًا
جمع رجل، وهو الذكر البالغ من بني آدم؛ وقيد بالرجولة لنفي الأنوثة والملائكية.
الْقُرَىٰ
جمع قرية، وهي المدينة الجامعة والمستقر الحضري المبني بالحجارة واللبن، وضدها البادية والوبر.
عَاقِبَةُ
العاقبة: آخر كل شيء ومآله وخاتمته؛ وعاقبة المكذبين: دمارهم وهلاكهم.
وَمَا أَرْسَلْنَا
الواو استئنافية، "ما" نافية، "أرسلنا" فعل ماض وفاعله "نا".
مِن قَبْلِكَ
متعلق بـ "أرسلنا".
إِلَّا
أداة حصر.
رِجَالًا
مفعول به منصوب بالفتحة لـ "أرسلنا".
نُّوحِي إِلَيْهِم
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر نحن (وعلى قراءة يُوحَى: فعل مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر يعود على الوحي)، "إليهم" متعلق بـ "نوحي"، وجملة "نوحي إليهم" في محل نصب نعت لـ "رجالاً".
مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ
جار ومجرور في محل نصب نعت ثان لـ "رجالاً" (أو متعلق بنوحي).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد المفحم على شبهات المشركين:
تضمن النظم رداً حاسماً على شبهتين أثارهما كفار مكة:
استنكار بشرية الرسول ورجولته: فبيّن أن سائر الرسل من لدن نوح إلى عيسى كانوا بشراً رجالاً.
استنكار بعثته من مكة: فبين أن الرسل كلهم إنما يبعثون من أمهات القرى والحواضر لا من البوادي المنعزلة.
الدعوة إلى السياحة الاعتبارية في التاريخ والآفاق:
قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا...} يربط بين النظر في الآفاق والتفكر في مصارع المكذبين المحيطين بهم (عاد، وثمود، وقوم لوط) الذين يمر أهل مكة على ديارهم في رحلتي الشتاء والصيف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تفضيل الحضر على البادية من حيث أصل الخلق:
قد يُظن أن بعثة الرسل من الحواضر فيه احتقار لأهل البادية؛
والجواب العقلي والاجتماعي:
أن هذا من مقتضى حكمة الله في مراعاة الخصائص النفسية والاجتماعية المؤهلة للقيادة؛ فالنبوة تتطلب حكمة، ولين عريكة، ومخالطة لمختلف فئات البشر، وحسن منطق وبيان، وتلك خصائص تنمو وتكتمل في بيئات الاستقرار الحضري؛ أما البادية ففيها خشونة وشدة وانعزال لا تناسب أعباء التبليغ العام لجميع الطبقات.
التأكيد بلام الابتداء في {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ}:
لدفع توهم الاغترار بمتاع الدنيا؛ فالدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم خير مطلق لأهل التقوى.
الختام بالتوبيخ العقلي {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}:
إشارة إلى أن تفضيل الدنيا الفانية على الآخرة الباقية سفه عقلي لا يقبله ذو لب سليم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة التاريخ وسنن الأمم ميزان للبصيرة:
السير في الأرض والنظر في آثار الحضارات البائدة يورث العبد تواضعاً وخشية؛ فكم من جبار شيد القصور واستعلى في الأرض فصار أثراً بعد عين حين عصى رسل ربه.
التقوى هي الميزان الأوحد للفوز الأخروي:
لا ينجو في الدار الآخرة إلا من اتقى الشرك والمعاصي؛ فالجنة أعدت للمتقين دون غيرهم.