جواب يعقوب التاريخي وإفراده الشكوى لله تعالى وحده:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 229)مصدر غير محدد١٦/٢٢٩ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والحسن والسدي: لما لامه بنوه على كثرة ذكره ليوسف وحذروه من الهلاك والحرض، رد عليهم يعقوب عليه السلام رداً يقطر إيماناً وتوحيداً ويقيناً فقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}؛ أي: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من المخلوقين حتى تلوموني وتضجروا مني، وإنما أرفع بثي وحزني وكربي إلى خالقي الذي يملك كشفه وتفريجه، وأنا موقن برحمته وإجابته.
تفسير الفرق بين "البث" و"الحزن":
قال ابن كثير (4/ 416)مصدر غير محدد٤/٤١٦: «البث: هو أشد الحزن وأعظمه؛ وسُمي بثاً لأن صاحبه لا يطيق كتمانه فيبثه ويظهره؛ والحزن: هو الألم المستقر في القلب، فجمع يعقوب بين ما ظهر وفاض من همه وبين ما بطن في سويداء قلبه، وجعل مفزعه في كليهما إلى الله وحده».
معنى {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأنه لا بد أن يسجد لي ولأمه وإخوته كما أراه الله في صغره، وأعلم أن الله حي قيوم رحيم لا يضيع أجر المحسنين، وسيرده إلي لا محالة».
وقال قتادة: «أعلم من إجابة دعاء المضطرين وسعة فضل الله وإحسانه ما لا يخطر ببالكم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة؛ تفيد القصر والحصر القطعي؛ أي حصر الشكوى وتوجيهها إلى الله دون سواه.
بَثِّي
البث: تفريق الشيء ونشره؛ والمراد به الهم العظيم الذي لا يقوى القلب على ستره فيفيض بالشكوى والدعاء؛ مأخوذ من بث الحديث إذا أشاعه.
حُزْنِي
الحزن: الغم الحاصل في القلب لفوات محبوب أو نزول مكروه، وضده الفرح والسرور.
قَالَ
فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو.
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة أداة حصر.
أَشْكُو
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا.
بَثِّي
مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
وَحُزْنِي
معطوف على "بثي" منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه.
إِلَى اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بـ "أشكو"، والجملة مقول القول.
وَأَعْلَمُ
الواو عاطفة، "أعلم" فعل مضارع والفاعل أنا.
مِنَ اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بـ "أعلم" (أو بمحذوف حال من المفعول به).
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ "أعلم".
لَا تَعْلَمُونَ
"لا" نافية، "تعلمون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره: ما لا تعلمونه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا} وإسقاط اللوم البشري:
افتتاح الجواب بأداة الحصر {إِنَّمَا} فيه قطع حاسم لنزاع الإخوة ولومهم؛ كأنه يقول لهم: لماذا تجزعون وتلومون؟ هل حملتكم همي؟ هل سألتكم فرجاً؟ إن شكواي متجهة إلى رب العرش الأعلى القادر على رفعها، فلا شأن لكم ببثي وحزني.
المقابلة بين علمه اللدني وجهلهم:
قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فيه استعلاء إيماني بنور الوحي؛ فبينما ينظر الإخوة إلى ظاهر الحسابات المادية ويعتقدون هلاك يوسف، ينظر يعقوب بنور النبوة وبصيرة الرؤيا الصادقة إلى موعود الله الذي لا يخلف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التناقض بين الشكوى لله وكمال الصبر:
قد يسأل سالك: أليس كمال الصبر أن يسكت العبد ولا يشكو أصلاً؟
والجواب التحقيقي المحكم الذي قرره الإمام ابن القيم في "عدة الصابرين":
أن الشكوى تنقسم إلى نوعين:
شكوى الله إلى خلقه: وهي التضجر والتسخط وإظهار العجز أمام الناس؛ وتلك شكوى مذمومة تنافي الصبر والتوحيد.
شكوى الحال إلى الله تعالى: وهي إظهار الذل والمسكنة والاضطرار للخالق سبحانه؛ وتلك هي عين العبودية والتوحيد، ولا تنافي الصبر الجميل بوجه من الوجوه، بل هي مأمور بها؛ كما شكى أيوب ربه: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، وشكى يعقوب: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
إضافة البث والحزن إلى ضمير المتكلم:
{بَثِّي وَحُزْنِي}: إضافة تفيد التملك والتفرد بهذا الحزن الخاص الذي لا يدرك كنهه أحد من البشر، ثم قصر رفعه إلى الله وحده.
التنكير في الموصول {مَا لَا تَعْلَمُونَ}:
إبهام وتفخيم لما يعلمه من أسرار اللطف الإلهي وحسن العواقب ورسوخ الوحي وتأويل الرؤيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أصل التوحيد في بث الشكوى:
أعظم مواقف الشرف والعزة أن يغلق العبد بابه دون المخلوقين، ويفتح بابه لرب العالمين؛ فلا يشكو فقره ولا مرضه ولا كربته إلا لله، فالمخلوق عاجز مثلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، والشكوى لغير الله مذلة.
أثر العلم بالله في ثبات القلب:
من علم سعة رحمة الله، وحكمته، ولطفه الخفي، لم ييأس أبداً مهما ادلهمت الخطوب؛ فعلم يعقوب بالله هو الذي جعل قلبه ناصع الأمل وسط ركام الأحزان.