امتثال الأبناء لوصية أبيهم ودخولهم متفرقين:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 186)مصدر غير محدد١٦/١٨٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي: لما وصل بنو يعقوب إلى مصر، امتثلوا وصية أبيهم الحكيمة المشفقة، فتفرقوا ودخلوا من أبواب متفرقة؛ {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ}؛ أي لم يكن ذلك التفرق ليرد قدراً قضاه الله عليهم في تدبير أخذ بنيامين، ولا ليدفع عنهم ما ساقه الله من المحنة التي تعقبها المنحة.
تفسير {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا}:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الحاجة: هي الشفقة عليهم من العين، أشفقت نفسه عليهم فنصحهم بذلك لتهدأ روعته وتطمئن نفسه».
وقال قتادة: «خشي عليهم العين، فقضى تلك الحاجة التي هاجت في صدره من الشفقة والحرص الأبوي».
شهادة الله ليعقوب بالعلم والرسوخ: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}:
قال ابن كثير في تفسيره (4/ 406)مصدر غير محدد٤/٤٠٦: «يثني الله تعالى على عبده ورسوله يعقوب عليه السلام بأنه ذو علم جليل وبصيرة نافذة، لعلمه بأن الحذر لا يدفع القدر، وأنه إنما أمرهم بذلك من باب الأخذ بالسبب مع التوكل التام على الله، وذلك العلم إنما ناله بتعليم الله له وإيحائه إليه، {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} حقائق القدر وسر التوفيق بين الأسباب والتوكل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَّا كَانَ يُغْنِي
نفي للدفع والكفاية؛ أي لم يكن ذلك الفعل ليدفع قضاء الله إذا نزل.
حَاجَةً
الحاجة: ما يطلبه الإنسان وتتعلق به نفسه من مأرب أو شفقة؛ والجمع حاجات وحِوَج.
قَضَاهَا
القضاء: الإمضاء والإتمام والتفريغ؛ قضى الحاجة: أفرغها من صدره وأنالها مبتغاها.
لَذُو عِلْمٍ
اللام المزحلقة، "ذو" بمعنى صاحب، وذو علم: صاحب علم راسخ متصل بالوحي.
وَلَمَّا دَخَلُوا
الواو عاطفة، "لما" حينية شرطية، "دخلوا" فعل ماض وفاعله، والجملة مضاف إليها لـ "لما".
مِنْ حَيْثُ
"من" حرف جر، "حيث" ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بـ "من"، والجار والمجرور متعلق بـ "دخلوا".
أَمَرَهُمْ أَبُوهُم
جملة فعلية في محل جر بالإضافة لـ "حيث"، "أمر" فعل ماض والهاء مفعول به والميم للجمع، "أبوهم" فاعل مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة والهاء مضاف إليه.
مَّا كَانَ يُغْنِي
"ما" نافية، "كان" فعل ماض ناسخ واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على دخولهم متفرقين، وجملة "يغني" في محل نصب خبر كان، وجملة "ما كان يغني" جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب.
عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ
تقدم نظيرها في الآية السابقة ("من شيء" مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به لـ "يغني").
إِلَّا حَاجَةً
"إلا" أداة استثناء، "حاجة" منصوب على الاستثناء المنقطع (أو المتصل).
فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ
جار ومجرور في محل نصب نعت لـ "حاجة"، و"يعقوب" مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
قَضَاهَا
فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت ثان لـ "حاجة".
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ
الواو حالية أو استئنافية، "إن" حرف ناسخ والهاء اسمها، اللام المزحلقة، "ذو" خبر إن مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة وهو مضاف، "علم" مضاف إليه مجرور.
لِّمَا عَلَّمْنَاهُ
اللام للتعليل (أو بمعنى على)، "ما" مصدرية أو موصولة، "علمناه" فعل ماض وفاعله ومفعولاه، والمصدر المؤول مجرور باللام متعلق بـ "علم".
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
الواو عاطفة للاستدراك، "لكن" حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر، "أكثر" اسمها منصوب وهو مضاف، "الناس" مضاف إليه، وجملة "لا يعلمون" خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن القرآني العجيب بين المشاعر الفطرية والعقيدة الصافية:
تصور الآية يعقوب عليه السلام إنساناً كاملاً ونبياً معصوماً؛ فهو كأب تدفعه عاطفة الشفقة والحرص إلى إبداء الوصية لتسكين ما يجيش في صدره: {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا}؛ وهو كنبي يعلم يقيناً أن هذا التدبير لا يرد قضاء الله إذا أراد أخذ أحدهم بحيلة يوسف، فمدحه الله بأعظم مدح: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}.
المقابلة بين علم يعقوب وجهل أكثر الناس:
ختمت الآية بقوله: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ لتقابل بين علمه اللدني الراسخ بحقائق التوحيد والقدر وبين جهل أكثر الخلق الذين يتخبطون بين تعطيل الأسباب بدعوى التوكل أو الاعتماد على الأسباب وإلغاء القدر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين مدح يعقوب بالعلم وإخباره بأن تدبيره لم يغن شيئاً:
قد يتساءل جاهل: كيف يمدحه الله بالعلم وقد بيّن أن فعله لم يغن من الله شيئاً؟
والجواب العقلي الأصولي:
أن كمال علم يعقوب ظهر في إدراكه لحدود السبب؛ فهو لم يعتقد أن أمره عاصم مانع من القدر، بل علم أن السبب مأمور به شرعاً وفطرة، وأن الأمر كله لله؛ فمدحه الله لأنه علم ما علمه الله من التوحيد والجمع بين الحكمة والقدر، وهذا هو عين العلم الشريف.
الاستثناء المنقطع في {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا}:
استثناء بديع يبرز الرأفة الأبوية؛ فالحاجة النفسية ليست من جنس الإغناء عن القدر، بل هي مجرد تنفيس عن مشاعر الشفقة وتسكين لروعة الفؤاد، مما يضفي على المشهد ظلالاً إنسانية مؤثرة للغاية.
إسناد التعليم إلى الله تعالى {لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}:
إسناد التعليم إلى ضمير العظمة الإلهي؛ لبيان أن علم الأنبياء ليس اجتهاداً بشرياً مجرداً أو تخرصاً، بل هو قبس من نور الوحي والإلهام الرباني المعصوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية تلبية الحاجات النفسية المشروعة:
الدين لا يصادم الفطرة السوية؛ فالأب الحنون إذا اتخذ أسباب الحيطة لأولاده فإنه يقضي حاجة فطرية ونفسية ملحة في صدره، والشرع يقر هذا الوجدان ويرعاه ما دام منضبطاً بحدود التوحيد والرضا بالقدر.
فضل العلم الشرعي المسند بالوحي:
العلم الحقيقي الممدوح هو ما كان مأخوذاً عن تعليم الله ورسله، وأعظم مسائله فقه التوكل والقدر ومجاري الأقدار، ومن حُرم هذا العلم تاه في ظلمات الشك والقلق عند حلول المصائب.