يأس الإخوة وخلوتهم للتشاور السري:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 214)مصدر غير محدد١٦/٢١٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي وابن إسحاق: لما رأى الإخوة شدة حزم العزيز ويئسوا من إجابة طلبهم بافتداء بنيامين، انتحوا ناحية بعيداً عن أعين الناس وتفردوا بأنفسهم يتناجون ويتشاورون في هذا المأزق التاريخي؛ {خَلَصُوا نَجِيًّا}؛ أي انفردوا خالصين لا يخالطهم غيرهم يتناجون في سرهم.
موقف الأخ الكبير وخطابه المزلزل لإخوته:
تكلم كبيرهم في السن أو العقل (وهو روبيل أو يهوذا، ورجح الطبري والسدي أنه روبيل، وقيل يهوذا وهو صاحب الكلمة فيهم)، فقال لهم مذكراً بالحقائق المرة:
استحضار الجريمة القديمة: {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} وغدرتم به وكذبتم على أبيكم بدمه الكذب؟ فكيف نلقى أبانا الآن بعد هاتين الفاجعتين؟!
عزيمة الأخ الكبير على البقاء في مصر:
ثم أعلن الكبير قراره الحاسم: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}؛ أي لن أفارق أرض مصر ولن أخرج منها أبداً، حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه راضياً، أو يحكم الله لي باستنقاذ أخي بنيامين وخلاصه من الرق، والله خير الحاكمين بعدله وقدرته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اسْتَيْأَسُوا
السين والتاء للمبالغة في اليأس وانقطاع الرجاء التام من استجابة يوسف.
خَلَصُوا
الخلوص: الانفراد والتجرد؛ خلص القوم إذا انفردوا عن سائر الناس فلم يشاركهم أحد في مجلسهم.
نَجِيًّا
فعيل بمعنى مناجٍ، ويطلق على الواحد والجمع؛ مأخوذ من النجوى وهي المسارة والتشاور في خفاء.
فَرَّطتُمْ
التفريط: التقصير وتضييع الأمانة والواجب، وضده الإفراط وهو التجاوز والتعدي.
أَبْرَحَ
من برح المكان يبرحه إذا فارقه وغادره وزال عنه؛ ولن أبرح: لن أفارق ولن أزول.
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا
الفاء استئنافية، "لما" حينية شرطية، "استيأسوا" فعل ماض وفاعله، والجملة مضاف إليها لـ "لما".
مِنْهُ
متعلق بـ "استيأسوا".
خَلَصُوا
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب، والواو فاعل.
نَجِيًّا
حال منصوبة بالفتحة من الواو في "خلصوا" (أي خلصوا متناجين).
"أن" حرف ناسخ، "أباكم" اسمها منصوب بالألف والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا
"قد" تحقيق، "أخذ" فعل ماض والفاعل هو، "عليكم" متعلق بـ "أخذ"، "موثقاً" مفعول به منصوب، والجملة خبر أن، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي "تعلموا".
مِّنَ اللَّهِ
نعت لـ "موثقاً".
وَمِن قَبْلُ
الواو عاطفة، "من قبل" جار ومجرور مبني على الضم في محل جر متعلق بمحذوف أو بـ "فرطتم".
مَا فَرَّطتُمْ
"ما" مصدرية (أو زائدة لتوكيد الفعل)، والمصدر المؤول في محل نصب معطوف على "موثقاً" أو مبتدأ مؤخر، أي: وتفريطكم في يوسف من قبل حاصل. "فرطتم" فعل ماض وفاعله.
فِي يُوسُفَ
متعلق بـ "فرطتم".
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
الفاء للتفريع، "لن" حرف نفي ونصب، "أبرح" فعل مضارع منصوب بالفتحة والفاعل أنا، "الأرض" مفعول به منصوب (أو ظرف مكان).
حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي
"حتى" حرف غاية وجر، "يأذن" مضارع منصوب بأن مضمرة، "لي" متعلق بـ "يأذن"، "أبي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة والياء مضاف إليه، والمصدر المؤول مجرور بـ حتى.
أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي
الواو عاطفة، "أو" للتخيير، "يحكم" معطوف على "يأذن" منصوب، اسم الجلالة فاعل، "لي" متعلق بـ "يحكم".
وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ
الواو حالية أو استئنافية، "هو" مبتدأ، "خير" خبر مرفوع، "الحاكمين" مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البلاغة الإعجازية في {خَلَصُوا نَجِيًّا}:
كلمتان اثنتان صوّرتا المشهد النفسي والاجتماعي بدقة متناهية؛ فـ {خَلَصُوا} تدل على اعتزالهم التام للناس وانكماشهم في زاوية معزولة، و{نَجِيًّا} تدل على همسهم وتناجيهم بأصوات خافتة مرتعشة من هول المأزق.
التذكير بالذنب القديم كمهماز للتوبة:
ربط الكبير بين حادثة يوسف وحادثة بنيامين: {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} يبرز يقظة الضمير؛ فعلموا أن دوائر القدر تضيق عليهم، وأن ما فعلوه في الماضي هو الذي أوصلهم إلى هذه الفضيحة الحاضرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عقوق الوالد بامتناع الكبير من الرجوع إليه:
قد يُقال: كيف يمتنع الكبير من الرجوع لأبيه الشيخ المحزون؟
والجواب العقلي والأخلاقي:
أن امتناعه لم يكن عقوقاً بل كان منتهى الحياء والوفاء والخجل؛ فلم تطق نفسه أن يقف أمام أبيه المكلوم ليرى في عينيه نظرات اللوم والألم بعد نكث الميثاق، واختار أن يتحمل ذل الغربة والبقاء في مصر طلباً لحيلة يستنقذ بها أخاه أو كفارة لذنبه السابق، وفوض أمره لخير الحاكمين.