إنذار المشركين المعرضين بمباغتة العقاب وسوء العاقبة:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 280)جامع البيانالطبري١٦/٢٨٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق والسدي: لما بين الله تعالى إصرار المشركين على الشرك والغفلة عن الآيات، حذرهم من أمن مكر الله والاطمئنان إلى دنياهم الفانية، فقال مستنكراً: {أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.
تفسير الغاشية في كلام السلف:
قال ابن عباس وقتادة والضحاك: «الغاشية: نقمة وعقوبة مجللة عامة تغشاهم وتغمرهم وتعمهم جميعاً بالهلاك في الدنيا كالصاعقة والرجفة والخسف كما فعل بالأمم السابقة».
وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 428)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٢٨: «{أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً}؛ أي تأتيهم القيامة فجأة من غير سابق إنذار ولا إشعار، وهم في غفلتهم وأسواقهم وتجاراتهم لاهون لا يشعرون بحلولها حتى تبغتهم، فيخسروا الدنيا والآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَفَأَمِنُوا
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والفاء عاطفة؛ والأمن: عدم الخوف والاطمئنان مع زوال الحذر.
غَاشِيَةٌ
اسم فاعل من غشى يغشى غشياناً؛ والغاشية: العقوبة المحيطة التي تغطي من نزلت به كالثوب المشتمل؛ وتطلق على القيامة ونار جهنم.
بَغْتَةً
البغتة: المفاجأة والظهور السريع للشيء من غير ترقب ولا إعداد؛ يقال: بغته الأمر يبغته بغتاً وبغتة إذا فاجأه.
أَفَأَمِنُوا
الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء عاطفة على مقدر (أي أغفلوا فأمنوا)، "أمنوا" فعل ماض والواو فاعل.
أَن تَأْتِيَهُمْ
"أن" مصدرية ونصب، "تأتيهم" فعل مضارع منصوب بالفتحة والهاء مفعول به والميم للجمع.
غَاشِيَةٌ
فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول من (أن والفعل) في محل نصب مفعول به لـ "أمنوا".
مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ "غاشية"، واسم الجلالة مضاف إليه مجرور.
أَوْ تَأْتِيَهُمُ
"أو" حرف عطف للتقسيم، "تأتيهم" معطوف على تأتيهم الأولى منصوب بالفتحة، والهاء مفعول به.
السَّاعَةُ
فاعل مرفوع بالضمة.
بَغْتَةً
مصدر منصوب على الحالية من الساعة (أي باغتة)، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
الواو حالية، "هم" ضمير منفصل مبتدأ، "لا" نافية، "يشعرون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في "تأتيهم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترهيب المقابل للغفلة والإعراض:
بعد أن صور النظم القرآني غفلة المعرضين عن الآيات وشركهم بالربوبية، نقلهم إلى مشهد الرعب المفاجئ: فبينما أنتم غافلون مستهزئون قد تنزل بكم صاعقة الهلاك الدنيوي {غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ}، أو تقوم القيامة الكبرى فجأة {أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً}؛ فتنقطع الآمال وتزول النعم في طرفة عين.
التقسيم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:
جمعت الآية بين نوعي العقاب: عذاب الاستئصال الدنيوي الخاص بالاستدراج، وعذاب الساعة العام الفاصل بين الخلائق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تأخر العذاب دليلاً على عدم وقوعه:
يغتر الكفار بسلامتهم وصحتهم وتأخر نزول العقاب بهم، فيظنون ذلك أماناً أو دليلاً على بطلان الوعيد؛
وترد الآية هذا الوهم: بأن تأخر العذاب سنة استدراج وإمهال إلهي، وأن قدومه يكون على غرة ومفاجأة وبغتة، فلا ينبغي للعاقل أن يأمن مكر الله ما دام مقيماً على معصيته؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلاَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}» (رواه أحمد).
التنكير في {غَاشِيَةٌ}:
للتهويل والفظاعة؛ أي عقوبة مهولة عظيمة لا قِبل لأحد بدفعها.
الجملة الحالية {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}:
تجسيد لمنتهى الغفلة والذهول؛ فالعذاب يداهمهم في لحظة انشغالهم التام بلهوهم ودنياهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من مكر الله وسوء الخاتمة:
المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء؛ فلا يأمن مكر الله أبداً؛ قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، وأمن العقوبة يورث قسوة القلب وتمادياً في الطغيان.
الاستعداد الدائم لبغتة الموت والقيامة:
الساعة والموت يأتيان بغتة دون استئذان، والواجب على كل لبيب أن يكون مستعداً للقاء ربه في كل لحظة بالتوبة النصوح والعمل الصالح.