أمر الملك بإحضار يوسف واستخلاصه:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 153)جامع البيانالطبري١٦/١٥٣ وابن أبي حاتم في تفسيره عن السدي وقتادة ومحمد بن إسحاق: لما ظهرت براءة يوسف عليه السلام من كل شائبة، وسمع الملك اعتراف امرأة العزيز وشهادة النسوة، وازداد إعجابه بيوسف وعقله وعفته ونبالته، قال لوزرائه وأهل مجلسه: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}؛ أي أجعله خالصاً لخاصة أمري، وأفوض إليه تدبير ملكي، ولا أشرك معه أحداً في منزلته عندي.
خروج يوسف من السجن ودعاؤه لأهله:
ذكر البغوي في "معالم التنزيل" (4/ 249)معالم التنزيلالبغوي٤/٢٤٩ والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 214)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢١٤: أن يوسف عليه السلام لما أُخرج من السجن اغتسل وتنظف وتطيب ولبس ثياباً حسنة، ثم دعا لأهل السجن بدعاء مأثور: «اللهم اعطف عليهم قلوب الأخيار، ولا تُعمِ عليهم الأخبار»، فكان يوسف مباركاً في كل حال وموطن.
حوار الملك مع يوسف وانبهاره بعلمه:
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وغيره: فلما دخل يوسف على الملك، سلم عليه بلغة أهل مصر ودعا له بحسن الثناء، وكان الملك يتكلم بعدة لغات، فخاطبه يوسف بتلك اللغات وأجابه ببيان وحكمة وعقل باهر، فتعجب الملك من وفور عقله وحسن منطقه وحسن خَلقه وخُلقه، فقال له الملك مقالته التاريخية: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}؛ أي ذو مكانة رفيعة ومنزلة مطاعة، وأمين مؤتمن على كل ما نوكله إليك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَسْتَخْلِصْهُ
من الخلوص وهو الصفاء والنقاء؛ يقال: استخلص فلان فلاناً إذا اختاره لنفسه وجعله خالصاً من الشوائب والشركاء، والسين والتاء للطلب والتوكيد.
مَكِينٌ
فعيل بمعنى مُمَكَّن، وهو ذو المكانة والقدر والمنزلة الرفيعة التي لا يُرد أمرها؛ من التمكين والمكنة.
أَمِينٌ
فعيل بمعنى مفعول أو فاعل؛ أي مؤتمن مأمون على الخزائن والأسرار والدماء والأموال.
وَقَالَ الْمَلِكُ
الواو عاطفة، "قال" فعل ماض، "الملك" فاعل مرفوع.
ائْتُونِي بِهِ
جملة في محل نصب مقول القول. "ائتوا" فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به، "به" جار ومجرور متعلق بـ "ائتوني".
أَسْتَخْلِصْهُ
فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (ائتوني) وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره أنا، والهاء مفعول به.
لِنَفْسِي
اللام للاختصاص، "نفسي" اسم مجرور بكسرة مقدرة والياء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بـ "أستخلصه".
فَلَمَّا كَلَّمَهُ
الفاء عاطفة، "لما" حينية متضمنة معنى الشرط، "كلمه" فعل ماض والفاعل مستتر تقديره الملك، والهاء مفعول به يعود على يوسف، والجملة مضاف إليها.
قَالَ
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب، والفاعل مستتر (الملك).
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ
"إن" حرف توكيد ونصب والكاف اسمها، "اليوم" ظرف زمان منصوب متعلق بـ "مكين"، "لدينا" ظرف مكان مبني في محل نصب متعلق بمحذوف حال أو بـ "مكين" و"نا" مضاف إليه، "مكين" خبر أول لإن مرفوع، "أمين" خبر ثان مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انتقال المشهد من القاع إلى القمة:
تتجلى في هذه الآية ذروة المفارقة الإلهية؛ فمن غيابات الجب إلى دار الرق، ثم إلى غياهب السجن بضع سنين ظلماً واضطهاداً، ثم فجأة يتحول يوسف إلى الشخص الأقرب لعرش مصر، فيقول له الحاكم المطلق: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} و{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}.
ترتيب النعوت: المكين ثم الأمين:
قدّم الملك وصف {مَكِينٌ} للدلالة على إعطائه السلطة والنفوذ المطلق، ثم أتبعه بـ {أَمِينٌ} للدلالة على الثقة المطلقة في نزاهته وعدالته؛ فالتمكين بلا أمانة استبداد وفساد، والأمانة بلا تمكين عجز وضعف، فجمعت الكلمتان أركان الحكم الرشيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة موالاة الكفار أو العمل تحت إمرة ملك غير مسلم:
أثار بعض الناظرين إشكالاً: كيف يقبل يوسف النبي الصديق أن يدخل في بطانة ملك مشرك أو كافر؟
والجواب الشرعي والعقلي المحكم الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (20/ 56-58)مجموع الفتاوىابن تيمية٢٠/٥٦ والقرطبي والشنقيطي:
أن يوسف عليه السلام لم يوافق الملك على باطل، ولم يقر شركاً أو ظلماً، بل دخل ليقيم العدل ويخفف الظلم وينقذ ملايين الأنفس من الهلاك والمجاعة المحققة، ويدعو إلى توحيد الله باللسان والحال.
أن تصرف يوسف قاعدة جليلة في السياسة الشرعية: ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما، وتولية الصالح الأمين وإن كانت المنظومة العامة قاصرة، لتقليل الشر وجلب المصالح ودفع المفاسد.
أن الملك فوض ليوسف الأمر تفويضاً كلياً حتى صار يوسف هو الحاكم الفعلي المتصرف بالعدل والحكمة والإيمان.
البلاغة في التقييد بـ {الْيَوْمَ}:
قول الملك: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} يدل على تحول حاسم في تاريخ العلاقة؛ فبالأمس كنت متهماً مسجوناً، واليوم بعد أن حصحص الحق وانكشفت الكفاءة، تغيرت منزلتك تغيراً جذرياً؛ وفيه إشعار بأن المناصب الرفيعة ينبغي أن تُبنى على الامتحان والبرهان لا على المحاباة والظنون.
التعبير بـ {أَسْتَخْلِصْهُ} ودلالته النفسية والسياسية:
يدل على انفراد الملك بالثقة في يوسف دون سائر رجالات دولته؛ لأن تجربة الرؤيا أثبتت عجز حاشية الملك وكهنة الدولة، وتجربة الاتهام أثبتت نزاهة يوسف وترفعه، فصار المؤهل الأوحد للقيادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الكفاءة الأخلاقية والعلمية في بلوغ الصدارة:
الكفاءة المركبة (العلم بالأمور + الأمانة في التنفيذ) هي العملة الوحيدة التي تفرض احترامها حتى على الخصوم والمخالفين؛ فلم يصل يوسف إلى قمة السلطة بالوراثة أو التملق، بل بالعلم الراسخ والطهارة المشهودة.
حقيقة التمكين الإلهي للصابرين:
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فيوسف لما عُرضت عليه الفاحشة تورع وقال: {مَعَاذَ اللَّهِ} فاختار السجن على المعصية، فعوضه الله أن أخرجه من السجن وجعله سيد الدار ومكين القصر.