إرسال يوسف لقميصه لشفاء أبيه يعقوب:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 247)مصدر غير محدد١٦/٢٤٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق والسدي: لما تم العفو وجمع الشمل، سألهم يوسف عن حال والده يعقوب عليه السلام، فأخبروه بذهاب بصره وابيضاض عينيه من كثرة البكاء والحزن عليه، فدفع إليهم قميصه الخاص وقال: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.
سر القميص وبركته ومعجزته في الآثار:
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد والحسن وابن عباس: أن هذا القميص كان قميص إبراهيم الخليل عليه السلام الذي ألبسه الله إياه في النار حين جُرد من ثيابه، ثم ورثه إسحاق، ثم ورثه يعقوب، فلما كبر يوسف جعل يعقوب القميص في قصبة من فضة وعلقه في عنق يوسف ليدفع عنه العين، وكان قميصاً من نسج الجنة فيه ريح الجنة وبركتها، فإذا مس عاهة برئت بإذن الله.
وقيل: بل كان قميص يوسف المباشر لجسده الشريف، وفيه ريحه وعرقه العطر وبركة جسد النبوة، فكان آية ومعجزة حسية خارقة أجراها الله على يديه لشفاء أبيه.
طلب نقل الأسرة الكريمة بأسرها إلى مصر: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}:
قال ابن كثير (4/ 420)مصدر غير محدد٤/٤٢٠: «أمرهم أن يحملوا جميع آل يعقوب، بنسائهم وأطفالهم وأمتعتهم ودوابهم من أرض كنعان إلى أرض مصر؛ ليجمع شملهم في قصر العزة والأمان في سنوات القحط، وتتحقق رؤياه القديمة بسجود الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر له».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَمِيصِي
القميص: ثوب مخيط يغطي الجسد وله كُمّان وجيب، والياء للمتكلم.
يَأْتِ بَصِيرًا
يأتِ: يتحول ويصير؛ من الإتيان أو هو بمعنى الصيرورة كقولك: جاء فلان غنياً أي صار؛ وبصيراً: مبصراً يرى بعينيه نافذ النور بعد العمى.
أَجْمَعِينَ
توكيد معنوي يفيد الاستيعاب التام وعدم ترك أحد من العشيرة في بادية الشام.
اذْهَبُوا
فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
بِقَمِيصِي
الباء للملابسة والمصاحبة، "قميصي" اسم مجرور بالكسرة المقدرة والياء مضاف إليه، متعلق بـ "اذهبوا".
هَٰذَا
"ها" للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبني في محل جر نعت أو بدل لـ "قميصي".
فَأَلْقُوهُ
الفاء عاطفة سببية، "ألقوا" فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به أول.
عَلَىٰ وَجْهِ
جار ومجرور متعلق بـ "ألقوه"، وهو مضاف.
أَبِي
مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة والياء ضمير متصل مضاف إليه.
يَأْتِ بَصِيرًا
"يأتِ" فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (ألقوه) وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على يعقوب، "بصيراً" حال منصوبة بالفتحة (أو خبر لـ يأتِ إذا ضُمّنت معنى يصير).
وَأْتُونِي
الواو عاطفة، "ائتوا" فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول.
بِأَهْلِكُمْ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ "ائتوني".
أَجْمَعِينَ
توكيد معنوي لـ "أهلكم" مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التناظر الإعجازي في وظيفة "القميص" عبر سورة يوسف:
القميص في سورة يوسف ليس مجرد ثوب، بل هو رمز محوري تدور عليه مفاصل القصة الكبرى:
القميص الأول: قميص المكر والخديعة والدم الكذب (الآية 18) الذي أحدث الفاجعة وذهب ببصر يعقوب كدراً وحزناً.
القميص الثاني: قميص البراءة والنزاهة المَقْدُود من دُبُر (الآية 25-28) الذي أثبت طهارة يوسف وبراءته من الفاحشة.
القميص الثالث: قميص الفرح والشفاء والكرامة (الآية 93) الذي يُلقى على وجه يعقوب فيرتد بصيراً!
فيا لله لعظمة هذا النظم البديع حيث جعل الله أداة الحزن القديمة هي ذاتها أداة الفرج والشفاء العاجل.
التأكيد على جمع الشمل بـ {أَجْمَعِينَ}:
ختم الآية بـ {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} لإنهاء حقبة الشتات والفرقة، وإعلان التحول الجذري في تاريخ بني إسرائيل بانتقالهم إلى مصر في ظلال رعاية الصديق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة خرافة الشفاء بالثياب:
استنكر الماديون شفاء يعقوب بمجرد إلقاء القميص وزعموا أن ذلك مستحيل طبياً؛
والجواب العلمي والإيماني الساطع:
أن هذا من معجزات الأنبياء وخوارق العادات التي يجريها الله تعالى تأييداً لرسله؛ وخالق القوانين الطبية هو الذي يسلبها ويعطلها ويخلق الشفاء متى شاء بغير أسباب معتادة.
أثبت الطب النفسي والعصبي الحديث أن فقدان البصر النفسي (الهستيري أو الناتج عن الصدمات والماء الأبيض المؤقت) قد يزول وتتفتح شرايين الشبكية بمجرد زوال سبب الصدمة وحدوث فرح عارم مفاجئ يعيد توازن الجهاز العصبي؛ فجمع الله بين البركة المعجزية والتأثير النفسي العارم برائحة الولد الحبيب.
اسم الإشارة {هَٰذَا} في {بِقَمِيصِي هَٰذَا}:
الإشارة إلى القميص الحاضر المباشر لجسده لتمييزه عن سائر الثياب، ولتوكيد اتصاله بذاته الشريفة.
جواب الطلب الجازم {يَأْتِ بَصِيرًا}:
الجزم والقطع بحصول النتيجة بيقين النبوة؛ فلم يقل "لعله يبصر" بل جزم بأنه سيأتي بصيراً بوعد الله الذي لا يتخلف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التفاؤل واليقين بتبدل الأحوال:
القميص الذي حُمل بالأمس بالدموع يحمل اليوم بالشفاء والبشائر؛ فسبحان من يبدل بعد الخوف أمناً، وبعد البكاء ضحكاً، وبعد العمى بصراً ونوراً.
كمال البر بالوالدين:
أول ما فكر فيه يوسف بعد تمكينه وعفوه هو شفاء عينَي أبيه، وإكرامه بنقله وأهله إلى قصر العزة، والولد الصالح لا يهنأ له نعيم حتى يشرك والديه في كرامته وفرحته.