تفسير الآية وقصة نوح واستجابة الدعاء بعد الصبر الطويل: ينتقل السياق إلى شيخ المرسلين وأول أولي العزم من الرسل نوح عليه السلام؛ مذكراً بخبره حين دعا ربه واستنصره بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً من الدعوة والتكذيب والأذى {إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ}؛ فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}، فاستجاب الله دعاءه في الحال، وأمره بصنع الفلك، ونجاه ومن آمن معه من أهله وأتباعه من الكرب العظيم؛ وهو طوفان الماء الهائل الذي أطبق على الأرض، ومن الغرق وتكذيب الكفار وأذاهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 506)مصدر غير محدد١٨/٥٠٦: «يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد نوحاً إذ نادى ربه ودعاه من قبل إبراهيم ولوط وموسى، فاستجبنا له دعاءه حين دعا على قومه بالهلاك فقال: {رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، فنجيناه وأهله، وهم من آمن به من بنيه ونسائه وخاصته وأتباعه، من الكرب العظيم؛ يعني من كرب الغرق والطوفان الشديد الذي عم الأرض كلها وأهلك الكفار».
الآثار في معنى (الكرب العظيم): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «الكرب العظيم: الغرق بالطوفان، وتكذيب قومه وأذاهم المتمادي دهراً طويلاً، وخوف الهلاك؛ ففرج الله كربه بنجاته في السفينة واستئصال المكذبين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
نادى: النداء هو رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة والطلب من الله بالضراعة والافتقار.
من قبل: أي من قبل إبراهيم ولوط وموسى زمناً وتاريخاً.
الكرب العظيم: الكرب هو أشد الغم والحزن والضيق الذي يأخذ بالنفس ويضيق به الصدر؛ ووصف بالعظيم لهول الطوفان وتطاول المحنة.
وَأَهْلَهُ: الواو عاطفة، (أهله) معطوف على الهاء منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه (المراد أهله المؤمنون).
مِنَ الْكَرْبِ: جار ومجرور متعلق بـ (نجيناه).
الْعَظِيمِ: نعت لـ (الكرب) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز عظمة سرعة الاستجابة بالفاء التعقيبية: جاء النظم القرآني بالفاء العاطفة للتعقيب في موضعين متتالين: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ}؛ للدلالة على أنه بمجرد أن أطلق نوح نداءه الصادق واستنصاره بربه تنزلت الاستجابة فوراً وانفجرت ينابيع السماء والأرض بنصرته، فكانت النجاة متصلة بالدعاء.
الرجوع بالزمن إلى الأب الثاني للبشرية (من قبل): لما استعرض قصة إبراهيم وتفرعها، رجع إلى أصل النجاة الأولى في تاريخ الإنسانية وهو نوح؛ ليؤكد سنّة واحدة مطردة: أن الله يستجيب لأنبيائه وينجيهم من كل كرب مهما عظم الخطب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استثناء ابن نوح من النجاة مع قوله {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ}:
تقرير الإشكال في شمول الأهل: ألم يغرق ابن نوح الكافر كنعان بالطوفان، فكيف قال هنا: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ}؟!
المحاكمة الشرعية والبلاغية التحقيقية:
الأهل في ميزان الشرع والنبوة هم أهل الدين والعقيدة والإيمان، لا مجرد القرابة البيولوجية؛ ولذلك لما سأل نوح ربه في ابنه قال الله له بصريح العبارة: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]؛ فسلب عنه وصف الأهلية لكفره؛ فثبت أن الذين نجاهم الله معه هم أهله المؤمنون من أبنائه الثلاثة (سام وحام ويافث) ونساؤهم والمؤمنون؛ فالرابطة الحقيقية رابطة الإيمان لا عصبية الطين.
إيثار لفظ {نَادَىٰ} يحمل دلالة الاستغاثة والتضرع والافتقار العظيم؛ فالنداء دعاء بصوت مشحون بالرجاء والحرقة بعد طول المعاناة.
وصف الكرب بـ {الْعَظِيمِ} يجسد هول المشهد؛ فطوفان يغطي قمم الجبال ويهلك الأرض قاطبة كرب لا تدانيه كربة في تاريخ الأرض.
الإشارة التدبرية: يا صاحب الكرب، إذا ضاقت بك الحيل وأحاطت بك أمواج الهموم كالجبال، فارفع صوتك بالنداء وتضرع لربك قائلاً: رب إني مغلوب فانتصر؛ فإن الذي فتق السماء بماء منهمر لنجاة نوح قادر على تفريج كربك في لمح البصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح الدعاء في مواجهة الشدائد: الدعاء هو مفتاح الفرج الأعظم وحصن المؤمن المنيع؛ فلا يقنط الداعية ولو طال أمد البلاء.
الصبر الطويل على أذى الناس: نوح لبث في قومه تسعمائة وخمسين عاماً يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً؛ فليتعلم المصلحون منه طول النفس وعظيم الجلد في البلاغ.
عالمية النجاة الإيمانية: السفينة حملت نواة البشرية المؤمنة الجديدة؛ ليبقى التوحيد أصلاً ثابتاً في الأرض.