تفسير الآية والتشنيع على تمزيق الدين والاختلاف: يخبر الله جل وعلا عما أحدثه الناس بعد عهود أنبيائهم من التفرق والتشرذم؛ فبدلاً من أن يستمسكوا بتلك الأمة الواحدة ودين التوحيد، تفرقوا واختلفوا في أصول دينهم شيعاً وأحزاباً، وقطعوا دينهم إرباً؛ فصار كل حزب بما لديهم فرحين، ثم حذرهم وهددهم بالمرجع والمصير الحتمي؛ فكل هؤلاء المختلفين سيرجعون إلى الله يوم القيامة فيحاسبهم على ما تفرقوا فيه ويبين لهم الحق ويفصل بينهم بالعدل. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 540)مصدر غير محدد١٨/٥٤٠: «يقول تعالى ذكره: وتفرق الناس في دينهم الذي أمروا أن يكونوا فيه أمة واحدة، فصاروا فيه فرقاً وأحزاباً يلعن بعضهم بعضاً؛ كاليهود والنصارى وسائر أهل الشرك والأهواء؛ كلٌّ إلينا راجعون: وكل هذه الفرق والأحزاب إلى ربنا ومجازينا راجعون يوم القيامة، فيجازي كل فرقة بما عملت وابتدعت في دينه».
الآثار في معنى (تقطعوا أمرهم): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «تقطعوا أمرهم: أي اختلفوا في الدين فجعلوه قطعاً وأجزاءً؛ فتهود قوم، وتنصر قوم، وعبد قوم الأصنام، وتركوا دين إبراهيم الحنيف».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
تقطعوا: التقطع مبالغة في القطع والتفريق؛ والتكلف فيه يدل على أن الفرقة كانت عن عمد وهوى وتعصب.
أمرهم: دينهم وملتهم وما كلفوا به؛ وقيل: وحدتهم واجتماعهم.
بينهم: ظرف يدل على أن التنازع والتمزيق وقع في ساحتهم الداخلية كفعل قطاع الطرق بالأمتعة.
راجعون: الرجوع الصيرورة والمآل بعد انقضاء الحياة للوقوف للحساب.
الإعراب التركيبي:
وَتَقَطَّعُوا: الواو عاطفة أو استئنافية، فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
أَمْرَهُم: مفعول به لـ (تقطعوا) منصوب بالفتحة، والضمير مضاف إليه؛ أي قطعوا أمر دينهم فجعلوه قطيعات، أو ضمن الفعل معنى اقتسموا.
بَيْنَهُمْ: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (تقطعوا)، والضمير مضاف إليه.
كُلٌّ: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والتنوين عوض عن المضاف إليه؛ أي وكلهم.
رَاجِعُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية استئنافية للوعيد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصادمة بين الوحدة والتمزق: بني النظم على مقابلة مأساوية بليغة:
أراد الله لهم: {أُمَّةً وَاحِدَةً}.
ففعل الناس: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}.
فأبرز النظم شذوذ هؤلاء المختلفين عن الفطرة الإلهية وموكب النبوة؛ كأن الدين ثوب واحد سابغ مزقوه بأهوائهم إلى خرق متناثرة.
الحسم بالرجوع الإلهي {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ}: قطع عليهم الغرور بدعوى احتكار النجاة؛ فكل الطوائف التي تدعي أنها وحدها على الحق بغير برهان سترد إلى محكمة القسط ليتبين المحق من المبطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كل خلاف في الأمة مذموم؟:
تقرير التمييز بين الخلاف العقدي المذموم والاجتهاد الفقهي السائغ:
التقطع المذموم في الآية هو التفرق في أصول العقيدة والتوحيد، وابتداع الشرك، وتكفير المسلمين بالهوى، وقطع حبل الأخوة الإيمانية؛ أما الاختلاف الفرعي الاجتهادي في فروع الأحكام الفقهية وظنيات الدلالة مع بقاء وحدة الأصل والعقيدة والمحبة (كاختلاف داود وسليمان المذكور في السورة) فليس من التقطع المذموم، بل هو رحمة وتوسعة ما دام منضبطاً بأصول الاستنباط الشرعي.
استعارة التقطع {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم} تصوير مادي محسوس لتنازع الفرق الشركية؛ كأنهم اقتسموا جسماً حياً فبتروه ومزقوه إرباً بين أهوائهم ومصالحهم الحزبية.
تقديم الجار والمجرور {إِلَيْنَا} يحمل معنى الحصر والرهبة؛ فلا مرجع لسوانا ولا قاضي إلا نحن.
الإشارة التدبرية: احذر أن تكون ممن يسهم في شق صف المسلمين وتمزيق جماعتهم بالتعصب الحزبي أو الطائفي الأعمى؛ فإن التفرق داء وبيل وإثم عظيم سنسأل عنه بين يدي الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير من مسالك أهل الكتاب في التفرق: قال صلى الله عليه وسلم: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصْحَابِي» (رواه الترمذي وأحمد).
الاعتصام بالسنة والجماعة: النجاة محصورة في لزوم غرز النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
استحضار الحساب الأخروي أمام الخصومات: تذكر الرجوع إلى الله يمنع المسلم من البغي والعدوان وتجاوز الحد في الخصومة.