تفسير الآية وقانون قبول الأعمال وثواب السعي الصالح: يقرر الحق جل وعلا ميزان النجاة وقاعدة قبول الأعمال الصالحة لديه؛ فمن عمل عملاً صالحاً من طاعات وبر وإحسان، بشرط أن يكون مؤسساً على الإيمان والتوحيد الخالص، فإن الله تعالى لن يجحد سعيه ولن يبخسه حقه، بل يتقبله ويشكره ويثيبه عليه أوفى الثواب، وإن ملائكة الله الحفظة كاتبون لعمله في صحائف مكرمة لا يضيع منها مثقال ذرة. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 541)مصدر غير محدد١٨/٥٤١: «يقول تعالى ذكره: فمن يعمل في هذه الدنيا بطاعة الله وما أمره به من الأعمال الصالحة، وهو مؤمن: مصدق بتوحيد الله ونبوة رسله والبعث بعد الموت؛ فلا كفران لسعيه: أي فلا جحود ولا إبطال لعمله الصالح وسعيه المشكور، بل نشكره له ونجازيه به أحسن الجزاء، وإنا له كاتبون: وإنا لعمله وسعيه حفيظة نكتبه في أم الكتاب وصحائف أعماله لنجازيه به يوم القيامة».
الآثار في شرط الإيمان: قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «لا يقبل الله عملاً إلا بإيمان؛ فمن عمل الصالحات وهو كافر فلا ثواب له في الآخرة وسعيه باطل؛ ومن عمل وهو مؤمن شكر الله له عمله وضاعف حسناته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الصالحات: الأعمال المستقيمة الموافقة لأمر الله وسنة رسوله، المشروعة المخلصة.
كفران: مصدر كفر؛ والمراد هنا نفي الجحود والإضاعة والإبطال؛ وشكر السعي نقيض كفرانه.
السعي: المشي والجد في العمل والحركة في طلب الخير والآخرة.
كاتبون: مثبتون في صحائف الأعمال بأيدي الحفظة المكرمين.
الإعراب التركيبي:
فَمَن: الفاء فصيحة أو استئنافية، (مَن) اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
يَعْمَلْ: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
مِنَ الصَّالِحَاتِ: (من) تبعيضية أو بيانية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول به لـ (يعمل)؛ أي بعض الصالحات، أو في محل نصب صفة للمفعول المحذوف؛ أي عملاً من الصالحات.
وَهُوَ مُؤْمِنٌ: الواو حالية، (هو) ضمير منفصل مبتدأ، و(مؤمن) خبر المبتدأ؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال قيد لشرط العمل.
فَلَا: الفاء رابطة لجواب الشرط، (لا) نافية للجنس تعمل عمل إن.
كُفْرَانَ: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
لِسَعْيِهِ: جار ومجرور شبه جملة في محل رفع خبر (لا)، والهاء مضاف إليه؛ وجملة (فلا كفران لسعيه) في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ (مَن).
وَإِنَّا: الواو عاطفة أو حالية، (إنّ) واسمها.
لَهُ: متعلق بـ (كاتبون).
كَاتِبُونَ: خبر (إنّ) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة ميزان العدل والرجاء بعد الوعيد بالتفرق: بعد أن ذكر تفرق الفرق وضلالها، فتح باب النجاة الفردية والرجاء الواسع لكل مكلف؛ فبين أن النجاة ليست بالانتماء للألقاب ولا بالدعاوى، بل بالعمل الصالح القائم على الإيمان الصحيح.
تقييد العمل بجملة الحال {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}: هذا قيد جوهري في القرآن؛ فلا قيمة لأي عمل خيري أو إنساني في ميزان الآخرة إذا تجرد من أصل التوحيد والإيمان؛ فالإيمان هو الأساس الذي يبنى عليه صرح الثواب، والعمل بلا إيمان كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أعمال الكفار الخيرية ومصيرها في الآخرة:
تقرير الإشكال المعاصر: كيف يُحرم الكافر الذي بنى المشافي وقدم اختراعات للبشرية من ثواب الآخرة؟!
المحاكمة القرآنية البرهانية الحاسمة:
الله تعالى حكيم عدل لا يظلم أحداً؛ والعمل حتى يستحق الأجر من الله في الدار الآخرة لا بد أن يكون مبنياً على الإيمان بالله واليوم الآخر وقصد وجهه الكريم، أما الكافر فإنه لم يعمل لله أصلاً ولم يؤمن بالآخرة، بل عمل لشهرة الدنيا ومنافعها العاجلة؛ فيوفيه الله حقه في الدنيا بالصحة والمال والذكر الحسن والجوائز، حتى إذا أتى الآخرة لم يكن له عند الله سعي مشكور؛ لأنه لم يطلب وجهه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في صحيح مسلم: «إِنَّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا».
نفي الجنس بـ {فَلَا كُفْرَانَ} يفيد استغراق نفي أقل جحود أو ضياع لسعيه؛ فالله شكور يقبل القليل ويجزي عليه بالكثير.
التعبير بـ {السعي} يدل على أن الإنسان يثاب على بذل الجهد والنية الصادقة وإن لم تكتمل النتائج كما أراد.
الإشارة التدبرية: يا عبد الله، عملك الصالح كله مكتوب ومسجل بدقة لا يضيع منه مثقال حبة؛ فاستكثر من بذور الخير فإنك مقدم على رب شكور حليم ينمي الحسنة حتى تصير مثل جبل أحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التلازم الحتمي بين الإيمان والعمل الصالح: لا إيمان بلا عمل، ولا عمل مقبول بلا إيمان؛ فالمسلم يجاهد نفسه في إتقان العمل وتحقيق الإخلاص.
الأمل والاطمئنان لعدالة الجزاء: الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين؛ فليطمئن قلب كل عامل ومضحي في سبيل دينه.
استحضار كتابة الملائكة للأعمال: مراقبة الله في كل خطوة وسعي؛ فإن كل كلمة وحركة مسجلة: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}.