تفسير الآية وقسم إبراهيم بتحطيم الأصنام: بعد أن أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية على قومه فأعرضوا عنها، عزم على إقامة حجة عملية حسية تدمر هيبة الأصنام من نفوسهم وتظهر عجزها التام؛ فأقسم بالله تعالى قسماً مغلظاً أنه ليدبرن خطة ويوقعن مكروهاً بتلك الأصنام بعد خروجهم إلى عيدهم وتوليتهم مدبرين عن معبدهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 479)مصدر غير محدد١٨/٤٧٩: «يقول تعالى ذكره: وأقسم إبراهيم بالله فقال: وتالله لأكيدن أصنامكم؛ أي لأدبرن لأصنامكم التي تعبدونها من دون الله مكروهاً وأكسرنها، بعد أن تولوا عنها مدبرين إلى عيدكم وتخلو ساحتكم منها، فأنظر ما عسى أن تفعل تلك الآلهة إذا نزل بها الكسر والتحطيم وهل تملك لنفسها نفعاً أو ضراً؟!».
هل سمع القوم قسم إبراهيم؟:
قال ابن مسعود وقتادة ومجاهد وابن عباس: «قال ذلك إبراهيم في نفسه سراً، وسمعه رجل أو طائفة قليلة من قومه فكتموها في أنفسهم، فلما كُسرت الأصنام قالوا: سمعنا فتى يذكرهم».
وقيل: بل جهر بها وتوعدهم بها علانية بعد انقطاع حجتهم لإقامة التحدي، ولكنهم لم يظنوا أنه يجرؤ على دخول المعبد وحده وكسرها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
تالله: التاء حرف قسم وجر مختص باسم الجلالة (الله) ويفيد التعجب والتعظيم.
لأكيدن: الكيد هو الاحتيال والمكر والتدبير الخفي لإنزال السوء والمكروه بالخصم؛ واستعمله هنا في تحطيم الأصنام تدبيراً لإظهار عجزها.
أصنامكم: جمع صنم، وهو كل تمثال مصور من حجر أو خشب أو معدن اتُّخذ إلهاً.
تولوا مدبرين: الإدبار الذهاب وإعطاء الظهر؛ وهو الخروج التام إلى ساحة العيد خارج قريتهم.
الإعراب التركيبي:
وَتَاللَّهِ: الواو استئنافية، والتاء حرف قسم وجر، واسم الجلالة مجرور بتاء القسم، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره أقسم.
لَأَكِيدَنَّ: اللام واقعة في جواب القسم، وفعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، والنون حرف توكيد لا محل له.
أَصْنَامَكُم: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
بَعْدَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (لأكيدن)، وهو مضاف.
أَن تُوَلُّوا: (أن) مصدرية ناصبة، و(تولوا) مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل؛ والمصدر المؤول في محل جر بالإضافة لـ (بعد).
مُدْبِرِينَ: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من مرحلة البرهان اللساني إلى البرهان الميداني العملي: لما رأى إبراهيم أن الجدال النظري مع هؤلاء الجاحدين لم يحرر عقولهم من التقليد، قرر أن ينقل المناظرة إلى تجربة واقعية مادية ملموسة لا تدع مجالاً للمكابرة؛ فصرح بعزمه الصارم على كيد الأصنام.
تخصيص وقت الإدبار: قيد ذلك بقوله: {بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}؛ لحرصه على أن يتم الأمر في خلوة تامة دون أن يعترضه أحد قبل إتمام مهمة التحطيم وإرساء الحجة كاملة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا أقسم إبراهيم بالله وهو يخاطب مشركين لا يؤمنون؟:
تقرير الإشكال: كيف يقسم بـ {تَاللَّهِ} وقومه يعبدون الأصنام؟
المحاكمة والجواب التحقيقي:
إقرار المشركين بأصل الربوبية: كان المشركون في عهد إبراهيم يقرون بوجود الله الخالق الأعلى، وإنما يشركون معه الأصنام بزعم الشفاعة والتقريب، فكان القسم بالله ملزماً لهم وذا مهابة في نفوسهم.
تأكيد يقينه واستعلائه بالتوحيد: إبراهيم أقسم بربه الحق الذي يؤمن به ويعتمد عليه ويتوكل عليه في مواجهة أصنامهم؛ لإظهار التحدي التام بأن الله هو القادر المعين وحده.
استعمل تاء القسم {وَتَاللَّهِ} التي لا تدخل إلا على اسم الجلالة، وهي تدل على التعجب والشدة والعزم الذي لا يتزعزع.
اجتماع لام القسم ونون التوكيد الثقيلة في {لَأَكِيدَنَّ} يدل على بلوغ إرادته ذروة الحسم واليقين، فلم يكن حديث تردد أو أماني عابرة.
الإشارة التدبرية: إذا تمكن حب الله والتوحيد من قلب العبد، هانت في عينه سائر الطواغيت والقوى الشركية، واشتاقت روحه لتطهير الأرض من مظاهر الوثنية بكل وسيلة مشروعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنويع أساليب الدعوة والإصلاح: الداعية الحكيم لا يقتصر على الوعظ المجرد؛ بل يبتكر أساليب ووسائل عملية مناسبة تقطع دابر الشبهات وتوقظ الوعي المجتمعي.
الشجاعة والتوكل المطلق على الله: لم يبالِ إبراهيم ببطش نمرود وجبروته ودولته، بل مضى في مخططه متوكلاً على ربه.
التخطيط الدقيق واغتنام الفرص: استغلال إبراهيم لخروج القوم إلى عيدهم يربي المؤمن على حسن التوقيت ودقة التخطيط في مواجهة الباطل.