تفسير الآية والهجرة المباركة إلى أرض الشام وفلسطين: يخبر الله جل وعلا عن نجاته لخليله إبراهيم وابن أخيه لوط عليهما السلام من كيد نمرود وقومهما في أرض العراق (بابل وأور الكلدانيين)، وهجرتهما المباركة في سبيل الله إلى أرض الشام المباركة (فلسطين والبيت المقدس)؛ تلك الأرض التي بارك الله فيها بالأنبياء والرسل والبركات والخيرات والأنهار والثمار لجميع أهل العالم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 498)مصدر غير محدد١٨/٤٩٨: «يقول تعالى ذكره: ونجينا إبراهيم ولوطاً، وكان لوط ابن أخي إبراهيم، من أرض العراق وأهل كفرها من نمرود وقومه، إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين؛ وهي أرض الشام، بارك الله فيها بإخراج الأنبياء منها، ورغد العيش، وكثرة الأشجار والأنهار والثمار، وجعلها مهاجراً ومقراً للأنبياء والبركات».
الآثار في تعيين الأرض المباركة:
قال ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد والسدي: «الأرض التي باركنا فيها للعالمين هي أرض الشام وبيت المقدس وفلسطين؛ هاجر إليها إبراهيم ولوط وسارة، فبارك الله في زرعها وثمارها وأرزاقها، وبعث فيها جل الأنبياء والمرسلين».
وروى أحمد وأبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ»؛ يعني أرض الشام وبيت المقدس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
نجيناه: التنجية التخليص من الهلاك والشر والأسر؛ والنجاة المكان المرتفع الآمن من السيل.
لوطاً: هو لوط بن هاران بن تارح (آزر)، ابن أخي إبراهيم؛ وكان أول من آمن به بدعوته: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}.
للعالمين: لجميع الخلق والخلائق؛ لفيض بركتها ونفعها للأمم.
الإعراب التركيبي:
وَنَجَّيْنَاهُ: الواو عاطفة، وفعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب يعود على إبراهيم.
وَلُوطًا: الواو عاطفة، (لوطاً) معطوف على الهاء منصوب بالفتحة الظاهرة.
إِلَى الْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بـ (نجيناه) لتضمينه معنى (أخرجناه أو هديناه إلى).
الَّتِي: اسم موصول مبني على السكون في محل جر نعت لـ (الأرض).
بَارَكْنَا: فعل ماض وفاعله، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ (باركنا).
لِلْعَالَمِينَ: اللام حرف جر تعليلية أو للاختصاص، و(العالمين) ملحق بجمع المذكر السالم مجرور بالياء، والجار والمجرور متعلق بـ (باركنا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سنة الهجرة وتأسيس المركز النبوي الجديد: لما أتم إبراهيم إقامة الحجة في بابل وسدت أمامه أبواب الهداية هناك وأرادوا كيده، شرع الله له سنة الهجرة في سبيل الله لتأسيس بيئة إيمانية جديدة، كما قال في الصافات: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]؛ فاختار الله له الأرض المباركة (الشام وفلسطين) لتكون مهبط النبوات ومركز الرسالات الخاتمة.
ذكر لوط مقروناً بإبراهيم: إبراز لفضل لوط عليه السلام؛ إذ كان المستجيب الأول للتوحيد والشاهد الوحيد مع إبراهيم في بدايات الغربة: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}، فكافأه الله بالنجاة والهجرة والمشاركة في البركة ثم الاصطفاء بالنبوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا الشام أرض مباركة للعالمين؟:
تقرير الحكمة الجغرافية والعقدية والتاريخية:
بركة أرض الشام وفلسطين عامة لكل العالمين من وجوه:
البركة الدينية الرسالية: كانت مهداً للنبوات ومقراً للرسالات الكبرى (إبراهيم، إسحاق، يعقوب، يوسف، موسى، داود، سليمان، زكريا، يحيى، عيسى)، وفيها المسجد الأقصى مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماوات العلا؛ ففاضت الهداية والتوحيد منها إلى سائر أصقاع الأرض.
البركة الجغرافية والحضارية: موقعها الجغرافي المتوسط بين قارات العالم القديم جعلها ملتقى الأمم ومفازة التجارات، ومحلاً للمياه العذبة والزيتون والثمار التي تمد سائر البلاد بالخير والنماء.
تعدية الفعل {وَنَجَّيْنَاهُ} بحرف الغاية {إِلَى} تضمين بلاغي بديع؛ فالمعنى: نجيناه وسيرناه وهديناه هجرة مباركة منتهية إلى تلك الأرض المقدسة؛ فجمع بين النجاة من العدو والوصول إلى دار البركة.
تعميم البركة {لِلْعَالَمِينَ} يفيد أن خيرها ليس محصوراً في جنس ولا زمن، بل يفيض نوره على البشرية قاطبة.
الإشارة التدبرية: إذا ضاقت بك أرض بالمعاصي وحوربت في دينك، فهاجر بقلبك وبدنك إلى بيئة الطاعة ومواطن البركة؛ فإن أرض الله واسعة، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الهجرة والفرار بالدين: الهجرة سنة الأنبياء والمرسلين لحفظ العقيدة ونشر الدعوة حين تستحكم قبضة الطغيان.
مكانة القدس وفلسطين والشام في عقيدة المسلم: حب المسجد الأقصى وأرض الشام المباركة جزء لا يتجزأ من عقيدة التوحيد ورابطة الأنبياء؛ فواجب الأمة نصرتها والرباط فيها والدفاع عن مقدساتها.
صحبة الصالحين في طريق الهجرة والابتلاء: مرافقة لوط لإبراهيم تبين أثر الصحبة الإيمانية الصادقة في الثبات على الحق وقطع مشاق الطريق.