تفسير الآية ومضامينها: يخبر الله جل وعلا عن استمرار عتو هؤلاء المشركين واستهزائهم بآيات الله وتنزيله؛ فكلما نزل نجم من نجوم القرآن وجاءهم تذكير جديد من ربهم يجدد الموعظة، قابلوه بالهزء والسخرية واللهو. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 409)مصدر غير محدد١٨/٤٠٩: «يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن ويأتيهم به من تذكير وموعظة إلا استمعوه وهم يلعبون، يلهون عنه ولا يتدبرونه ولا يعتبرون به، ولكن يستهزئون به ويسخرون منه».
معنى إحداث الذكر عند السلف وأهل السنة: نقل الطبري عن ابن عباس وقتادة: «محدث: أي غض جديد النزول؛ كان القرآن ينزل نجوماً مفرقة بحسب الوقائع والأحوال، فكلما نزل قسم منه كان حديث عهد بالنزول إليهم». وقال الإمام أحمد بن حنبل وأئمة السنة: المراد بـ (محدث) هنا: محدث النزول والتلاوة والبيان إلى الخلق، لا أن كلام الله في نفسه مخلوق أو محدث بعد أن لم يكن، بل هو كلام الله القديم النوع الذي يتكلم به متى شاء وكيف شاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الذكر: التذكير والموعظة والقرآن الكريم؛ وسمي ذكراً لأنه يذكر العباد بما يجب عليهم نحو خالقهم وبما رُكِّب في فطرهم.
محدث: اسم مفعول من أحدث الشيء إذا أنشأه أو أنزله في حينه؛ والمراد هنا: جديد النزول والتنزيل.
يلعبون: اللعب هو الفعل الذي لا يقصد به غاية صحيحة نافعة، وهو نقيض الجد والحكمة.
مِّن رَّبِّهِم: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (ذكر).
مُّحْدَثٍ: نعت ثان لـ (ذكر) مجرور لفظاً على المحل القريب.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
اسْتَمَعُوهُ: فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة في محل نصب حال بتقدير (قد).
وَهُمْ يَلْعَبُونَ: الواو حالية، (هم) مبتدأ، وجملة (يلعبون) خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من ضمير الفاعل في (استمعوه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بالآية السابقة: الآية الأولى بيّنت غفلتهم وإعراضهم الكلي عن الحساب، وهذه الآية تكشف مظهر هذا الإعراض عند تلقي الوحي؛ فهم حين يسمعون آيات الله لا يلقون لها بالاً ولا يعيرونها آذان القلوب، بل يستمعون استماع هزء ولعب، فبينت الآية علة إعراضهم ورسوخ مرضهم.
تكرار النعت والتنزيه في {مِّن رَّبِّهِم}: إضافة الذكر إلى اسم (الرب) المضاف إليهم فيه تذكير بربوبيته لهم وإحسانه إليهم بتربيتهم بنعمه وإنزال الكتب لهدايتهم، فكان مقتضى ذلك أن يقابلوه بالخضوع والشكر، لا باللعب والكفر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استدلال الجهمية والمعتزلة بلفظ {مُّحْدَثٍ} على خلق القرآن:
تقرير الإشكال: تعلق بعض نفاة الصفات بقوله تعالى: {مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ}، وزعموا أن القرآن محدث، وكل محدث مخلوق، فالقرآن مخلوق!
رد أهل السنة والجماعة والمحاكمة البرهانية:
تحديد موضع الإحداث اللغوي والشرعي: الإحداث هنا مضاف إلى تنزيل الذكر ومجيئه وإسماعه للخلق، لا إلى كونه كلام الله تعالى القائم به؛ فالنزول والوصول إلى العباد هو الذي حدث بعد أن لم يكن نازلاً، كما يقال: ورد علينا اليوم كتاب محدث، أي جديد الوصول.
كلام السلف الصالح: سئل الإمام أحمد بن حنبل عن هذه الآية فقال: «يحدث إلينا من علمه ما يشاء، والقرآن من علم الله وكلامه ليس بمخلوق». وروى البخاري في خلق أفعال العباد وفي كتاب التوحيد من صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؟»؛ فسمى القرآن أحدث، ومراده: أحدث الكتب تنزيلاً وعهداً بالله تعالى.
التفريق بين صفة الكلام والتكلم بالآحاد: أهل السنة يقررون أن كلام الله صفة ذات وفعل؛ فهو قديم النوع حادث الآحاد (بمعنى أنه يتكلم بما شاء إذا شاء)، وتنزيله إلى الرسول حادث ومحدد بوقت النزول، وذلك لا يستلزم خلق الكلام الإلهي بوجه من الوجوه.
استعمل القرآن صيغة {اسْتَمَعُوهُ} بالصيغة المزيدة (افتعل) الدالة على توجه الأسماع، ليدل على أنهم لم تفُتهم ألفاظه، بل سمعوه سماع تمييز ومعرفة، ولكن أعقبه بحال تدل على الانسلاخ من التعظيم: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ}؛ فالآفة ليست في الآلة السامعة، وإنما في الإرادة الملتوية والقلب المعاند.
إيقاع اللفظ وحروف النفي والاستثناء {مَا ... إِلَّا} أفاد الحصر والتوكيد، ليصور حالة الاستغراق في السخرية واللهو بحيث لا يشذ عنهم استماع واحد على وجه الحق والتدبر.
الإشارة التدبرية: من أعظم علامات خذلان القلب أن يسمع كلام ملك الملوك الذي تنخلع له السماوات والأرض فتراه يلهو به أو ينشغل بالدنيا وسفاسفها في مجالس القرآن ومحاريبه، نسأل الله السلامة والعافية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الاستماع لكتاب الله: الواجب على المؤمن إذا تليت عليه آيات الله أن ينصت بكليته ويستحضر جلال المتكلم، كما قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204].
الحذر من الضحك واللهو عند سماع النذر: حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قسوة القلوب، والضحك في مواطن الوعظ؛ فإن السخرية ديدن المنافقين والمكذبين في كل أمة.
التجدد الإيماني مع الآيات: كلما قرأ المسلم ورداً من القرآن ينبغي له أن يتعامل معه كأنه غض جديد يخاطبه الله به في حينه ولحظته، فتتجدد بصيرته وتتحرك خشيته.