تفسير الآية وتسخير الرياح لسليمان عليه السلام: يذكر الله تعالى الميزة الخارقة والملك العظيم الذي اختص به سليمان بن داود عليهما السلام؛ حيث سخر له الرياح الشديدة الهبوب، وسخرها طوع أمره وإرادته تجري به وبجيوشه ومراكبه إلى أي جهة يشاء، ثم ترده إلى مقره في الأرض المباركة بالشام؛ فتقطع مسيرة الشهر في غدوة ومسيرة الشهر في رواحة، وكان الله بكل شيء عليماً بحكمته وتدبيره. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 517)مصدر غير محدد١٨/٥١٧: «يقول تعالى ذكره: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة: أي شديدة الهبوب، تجري بأمره: تسير بطاعته وإرادته أينما وجهها، إلى الأرض التي باركنا فيها؛ يعني أرض الشام التي استقر فيها ملكه، وكنا بكل شيء عالمين: لا يخفى علينا شيء، وعلمنا كيف نسخر له الرياح والجن وما يليق بحكمته وملكه».
الآثار في سياق الريح العاصفة والرخاء:
قال ابن عباس وقتادة والحسن: «كانت الريح في أصلها عاصفة قوية في سرعتها وقدرتها على حمل الجيوش والعتاد، ولكنها إذا أمرها سليمان جرت رخاءً لينة طيبة سالمة؛ كما قال في سورة ص: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36]، فجمعت بين قوة العصف في السرعة، ولين الرخاء في السلامة والراحة لركابها».
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان يوضع لسليمان بساط من خشب يتسع لجنوده وخيله وعتاده، ثم تأمر الريح فتدخل تحته فترفعه في الهواء وتجري به، غدوها شهر ورواحها شهر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
عاصفة: شديدة الهبوب والسرعة، مأخوذة من العصف وهو الشدة والرياح العاتية.
الأرض التي باركنا فيها: أرض الشام والقدس التي جعلها الله مقراً لملكه.
الإعراب التركيبي:
وَلِسُلَيْمَانَ: الواو عاطفة، اللام حرف جر، و(سليمان) مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره وسخرنا لسليمان، أو بمحذوف خبر مقدم.
الرِّيحَ: مفعول به للفعل المحذوف (سخرنا) منصوب بالفتحة الظاهرة (وقرئ بالرفع: الرِّيحُ على أنها مبتدأ مؤخر).
عَاصِفَةً: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من (الريح)؛ أو نعت للريح.
تَجْرِي: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل هي، والجملة في محل نصب حال ثانية من الريح.
بِأَمْرِهِ: الباء للسببية أو الملابسة، والجار والمجرور متعلق بـ (تجري)، والهاء مضاف إليه.
إِلَى الْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بـ (تجري).
الَّتِي: اسم موصول في محل جر نعت لـ (الأرض).
بَارَكْنَا: فعل ماض وفاعله، والجملة صلة الموصول.
فِيهَا: متعلق بـ (باركنا).
وَكُنَّا: الواو اعتراضية وتذييلية، كان واسمها.
بِكُلِّ: جار ومجرور متعلق بـ (عالمين)، وهو مضاف.
شَيْءٍ: مضاف إليه مجرور.
عَالِمِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام معالم الملك النبوي الفذ: لما ذكر معجزة داود في الجبال والحديد، أتبعها بذكر معجزة سليمان في الهواء والفضاء الشاسع؛ فالأول سُخرت له الجبال الراسية وألين له الحديد الصلب، والثاني سُخرت له الرياح اللطيفة السريعة تجري بأمره؛ ليتجلى كمال تنوع العطاء الإلهي بين الأب والابن في سياق شكر المنعم.
الجمع بين وصفي (عاصفة) و(رخاء): هذا الجمع البياني يدفع شبهة التعارض؛ فالعصف وصف لقوتها وسرعتها الخارقة التي تطوي المسافات، والرخاء وصف لسلامتها وانقيادها ولين هبوبها على ركابها فلا تزعجهم ولا تؤذيهم؛ وهذا غاية الإتقان في التسخير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إنكار تسخير الرياح بغير المحركات الميكانيكية:
تقرير الاستبعاد المادي المعاصر: كيف تسير الريح بأمر رجل بشر وتحمل آلاف الناس دون محركات وطائرات؟!
المحاكمة والبرهان الإلهي:
الرياح ليست إلا كتل هواء تخضع لضغوط جوية ومشيئة إلهية، والله تعالى الذي خلق الهواء وقوانين الديناميكا الهوائية قادر على أن يأمر جزيئات الهواء أن تحمل ما يشاء بإذنه وتجري في الاتجاه الذي يوجهه نبيه؛ فالقدرة المطلقة لا تقاس بالعجز البشري، والفيزياء ذاتها تؤكد أن قوة الرياح الهائلة قادرة على حمل آلاف الأطنان من السحاب والماء؛ فكان تسخيرها لسليمان معجزة تثبت سلطانه الإلهي.