تفسير الآية وسنن النصر والهلاك: يخبر الله تعالى عن العاقبة التاريخية والمآل النهائي للصراع بين الرسل وأقوامهم؛ فبعد التكذيب والابتلاء أنجز الله لأنبيائه ما وعدهم به من النصر والظفر والنجاة لهم ولأتباعهم المؤمنين، وأوقع العذاب العاجل بالمكذبين المتجاوزين لحدود الحق. قال ابن كثير (ج 5، ص 337)مصدر غير محدد٥/٣٣٧: «يقول تعالى: ثم صدق الله رسله ما كان وعدهم به من إهلاك مكذبيهم ونجاتهم والمؤمنين بهم، فأنجاهم ومن يشاء وهم أتباعهم من المؤمنين، وأهلك المسرفين المكذبين بما جاءتهم به الرسل من الحق».
المراد بـ (المسرفين): قال قتادة ومجاهد: المسرفون هم المشركون بالله المكذبون لرسله؛ لأن أعظم السرف والعدوان هو الشرك بالله وصرف العبادة لغير مستحقها، وتجاوز حدود الفطرة والعقل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
صدقناهم: صدق الوعد هو إنجازه وتحقيقه على الوجه الذي أُخبر به من غير إخلاف.
الوعد: الإخبار بما يسُر في المستقبل، وإذا قيد بالشر قيل: وعيد.
السرف: مجاوزة الحد والقدر الواجب في كل فعل أو اعتقاد أو نفقة؛ وأعظمه الكفر والتكذيب.
الإعراب التركيبي:
ثُمَّ: حرف عطف يقتضي الترتيب والتراخي في الرتبة والزمان؛ إشارة إلى أن النصر يأتي بعد ابتلاء وتمحيص ومضي زمن.
صَدَقْنَاهُمُ: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
الْوَعْدَ: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة على تضمين (صدق) معنى (وفيناهم) أو نزع الخافض؛ أي صدقناهم في الوعد.
فَأَنجَيْنَاهُمْ: الفاء عاطفة للتعقيب والترتيب، (أنجيناهم) فعل ماض وفاعله ومفعوله.
وَمَن نَّشَاءُ: الواو عاطفة، (من) اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على ضمير المفعول في أنجيناهم، وجملة (نشاء) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره نشاء نجاته وهم المؤمنون المتبعون.
وَأَهْلَكْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
الْمُسْرِفِينَ: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البشارة النبوية والتطمين الإلهي: هذا الوعد والتذكير التاريخي جاء في سياق تنزيل السورة بمكة في ذروة استضعاف المسلمين وكيد قريش؛ ليكون بلسماً لقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإعلاناً صريحاً بأن مآل المستكبرين من قريش إلى الهلاك، وأن وعد النصر قائم متحقق لا محالة.
دلالة حرف (ثم): الإتيان بحرف التراخي (ثم) يربي النفوس على أن سنن الله في التمكين تأخذ وقتاً؛ فالنصر لا ينزل بين عشية وضحاها، بل بعد استنفاد الجهد واشتداد البلاء: {حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأخر النصر واستعجال العقوبة:
تقرير الإشكال: قد يقع في بعض النفوس الضعيفة شك حين ترى تمادي الظالمين واستعلاءهم وتأخر نزول العقوبة بهم، فيظنون تخلف الوعد!
المحاكمة العقلية والشرعية:
الفرق بين الإهمال والإمهال: الله سبحانه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، كما في الحديث الصحيح. وتأخر العذاب ليس عجزاً ولا خلفاً في الوعد، بل لحكم جليلة منها استخراج عبودية الصبر والمجاهدة من المؤمنين، وإقامة الحجة البالغة على الكافرين.
حتمية العاقبة: التاريخ برهن بما لا يدع مجالاً للشك أن كل طاغية حارب الرسل كانت عاقبته الدمار (فرعون، نمرود، عاد، ثمود)، وقريش نفسها بعد سنوات قلائل من هذه الآية أُهلك صناديدها في بدر، وفتح الله مكة لنبيه ورُفعت راية التوحيد.
المقابلة بين النجاة والإهلاك: {فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ} في مقابل {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ}.
إيثار وصف {الْمُسْرِفِينَ} للإشعار بعلة الحكم؛ أي أهلكناهم بسبب إسرافهم وتمردهم وطغيانهم؛ فالجزاء من جنس العمل، والله لا يظلم أحداً.
الإشارة التدبرية: وعد الله لرسله وأوليائه دين لازم كتبه على نفسه بفضله وكرمه: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، فثق بوعد الله مهما ادلهمت الخطوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بالظفر: أعظم زاد للداعية هو اليقين الجازم بأن العاقبة للتقوى وللمتقين، وأن الباطل مهما انتفخ وصولته فمآله إلى بوار.
التحذير من الإسراف بكل صوره: الإسراف في المعاصي، والإسراف في الكفر، والإسراف في ظلم الناس، من أعظم أسباب نزول العقوبات الفردية والجماعية.
الارتباط بجماعة المؤمنين: النجاة معلقة باتباع الرسل والانخراط في سلك الذين شاء الله نجاتهم بالإيمان والعمل الصالح.