تفسير الآية ومقام الامتنان والتشريف: يمتن الله تبارك وتعالى على عباده بإنزال هذا القرآن العظيم، موضحاً أنه سبب شرفهم وعزهم ورفعتهم في الدنيا والآخرة، وموبخاً من عطل عقله عن إدراك هذه النعمة المسداة. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 419)مصدر غير محدد١٨/٤١٩: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لقد أنزلنا إليكم يا معشر قريش كتاباً فيه ذكركم؛ يقول: فيه شرفكم ومجدكم وصيتكم إن آمنتم به واتبعتم ما فيه وعملتم بمحكمه، أفلا تعقلون ما فيه شرفكم ومجدكم فتؤمنوا به وتعملوا بما فيه؟!».
الآثار الواردة في معنى (فيه ذكركم):
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فيه ذكركم: أي فيه شرفكم».
وقال مجاهد وقتادة: «فيه ذكركم: أي فيه حديثكم وأخباركم وشرفكم وموعظتكم».
وعن سهل بن عبد الله التستري قال: «فيه ذكركم: أي فيه بيان ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم، وفيه مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم التي ترفع ذكركم بين الأمم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
كتاباً: فعال بمعنى مفعول؛ أي مكتوباً مجموعاً، والكتابة في الأصل الجمع والضم.
ذكركم: الذكر يطلق على الشرف والصيت؛ كقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44]، ويطلق على التذكير والموعظة، وكلا المعنيين مراد وحق.
تعقلون: العقل هو القوة المدركة المانعة لصاحبها من ارتكاب القبيح، مأخوذ من عقلت الناقة إذا شددتها بالعقال لتمنعها من الشرود.
الإعراب التركيبي:
لَقَدْ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر محذوف، و(قد) حرف تحقيق وتوكيد.
كِتَابًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة؛ وتنكيره للتعظيم والتفخيم.
فِيهِ ذِكْرُكُمْ: (فيه) جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم، و(ذكركم) مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه؛ والجملة الاسمية في محل نصب نعت لـ (كتاباً).
أَفَلَا تَعْقِلُونَ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والفاء عاطفة على مقدر محذوف؛ أي: أتغفلون عن هذا فلا تعقلون؟ و(لا) نافية، و(تعقلون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسن الختام لهذا المقطع التأسيسي الأول: بعد أن استعرضت الآيات العشر الأولى تطاولهم وافتراءاتهم وطلبهم للآيات الحسية ورميهم النبي بالسحر والشعر، ختم المقطع بهذه الآية الفذة الجامعة التي تبكتهم عقلياً: كيف تطلبون آيات أخرى ومعكم هذا الكتاب الذي فيه شرفكم وخلود مجدكم وصلاح دنياكم وآخرتكم؟!
النداء العقلاني الفطري: ختمت بالاستفهام {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} لبيان أن الإعراض عن القرآن ليس مجرد ضلال ديني، بل هو حماقة عقلية وسقوط فكري يتنزه عنه أصحاب العقول السوية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ادعاء طلب السيادة بغير الدين:
تقرير الخلل في العقلية الجاهلية: كانت قريش تخشى أن اتباع القرآن سيذهب بزعامتهم ومكانتهم بين العرب، كما قالوا: {إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57].
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
الحقيقة التاريخية والواقعية: القرآن هو الذي نقل العرب من رعاة للغنم في صحراء قاحلة لا وزن لهم بين الأمم إلى قادة للأمم وأساتذة للحضارة والعدل في مشارق الأرض ومغاربها. فلم يُعرف للعرب ذكر ولا شرف ولا دولة إلا بهذا القرآن وبهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
صدق الوعد القرآني: قوله: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} تحقق عياناً؛ فأصبحت لغتهم لغة الوحي الخالدة، وأسماؤهم منقوشة في جبين التاريخ بالعدل والمجد، فكان خوفهم من ضياع الشرف كاشفاً عن خبل في التفكير؛ لأن الشرف الحقيقي في الاستمساك بالحق لا في نصرة الأوهام.
تصدير الآية بلام القسم و(قد) في {لَقَدْ} لتأكيد عظمة المنة وتحقيق الوقوع.
تنكير {كِتَابًا} أفاد غاية التعظيم والإجلال؛ أي كتاباً لا يدانيه كتاب في عظمته ونفعه وبركته.
الاستفهام التوبيخي في {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يحمل تذكيراً بوظيفة العقل التي خُلق لأجلها، وهي التمييز بين النافع والضار واقتناص أسباب الرفعة والمجد.
الإشارة التدبرية: كان الأحنف بن قيس رضي الله عنه إذا تلا هذه الآية يقول: «عليّ بالمصحف ألتمس ذكري، فأنظر مع من أنا ومن أشبه!»، فيمر بآيات الصالحين والمتقين والمفرطين ليحدد موقعه الإيماني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالهوية والقرآن: عزة المسلمين ومجدهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتمسكهم بهذا القرآن؛ فإذا ابتغوا العزة في غيره أذلهم الله، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».
إعمال العقل في تدبر الشريعة: الإسلام يدعو إلى التفكير الراشد والتعقل السليم؛ فالإيمان الحق يبنى على البصيرة والوعي لا على التقليد الأعمى والخرافة.
تطبيق الوحي منهاج حياة: ليس شرف القرآن بمجرد تلاوة ألفاظه أو وضعه في الرفوف، بل بتدبر معانيه، وتحكيم شريعته، والتخلق بأخلاقه في كل شؤون الحياة.