تفسير الآية وتصوير سرعة انكسار المستكبرين عند أدنى عذاب: يخبر الله جل وعلا عن مدى ضعف هؤلاء المشركين وتهافت كبريائهم الموهومة؛ فمع كل هذا الاستهزاء والتعنت والاستعجال، لو أصابهم مجرد مس خفيف أو أدنى نصيب وريح خفيفة من عذاب الله، لتبدد كل استكبارهم، ولصرخوا صراخ الهلع مقرين على أنفسهم بالظلم ومستغيثين بالويل والثبور. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 467)مصدر غير محدد١٨/٤٦٧: «يقول تعالى ذكره: ولئن أصاب هؤلاء المشركين المستعجلين بالعذاب مسٌّ قليل، وأدنى شيء من عذاب ربك ونقمته يا محمد، ليقولن عند ذلك استغاثة وندماً: يا ويلنا، إنا كنا في تكذيبنا بالوحي وعبادتنا الأصنام ظالمين لأنفسنا، واضعين العبادة في غير موضعها، معترفين بذنوبهم ولكن بعد فوات الأوان».
الآثار في معنى (النفحة): قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: «النفحة: القليل من العذاب، وأدنى نصيب منه؛ مأخوذ من نفحة الريح وهي هبتها الخفيفة؛ أي لو أصابهم أقل شيء من العذاب لصرخوا بالويل واعترفوا بالظلم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
المس: ملامسة الشيء بحاسة اللمس ملامسة خفيفة دون تمكن.
النفحة: الدفعة الخفيفة من الريح أو العطاء أو العذاب؛ والمرة الواحدة من النفح، وهي تدل على القلة الشديدة.
كُنَّا ظَالِمِينَ: كان واسمها وخبرها، وجملة كان في محل رفع خبر إن، وجملة النداء وما بعدها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز الهشاشة النفسية للمستكبرين: قابلت الآية بين تبجحهم السابق في طلب العذاب والاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبين سرعة انهيارهم بمجرد أن يمسهم أقل قدر من العذاب؛ فبينت أن كل صولتهم المزعومة مجرد غشاء كاذب يتلاشى عند أول اختبار حقيقي.
تضافر ألفاظ التقليل والتوهين للدلالة على عظم البطش الإلهي: اجتمعت في الآية أربعة مؤكدات تدل على القلة والضعف في جانب المبتلى به:
لفظ {مَسَّتْهُمْ}: والمس أول الإحساس الخفيف من غير غلبة.
لفظ {نَفْحَةٌ}: وصيغة المرة على وزن (فَعْلَة) تفيد القلة البالغة كنفحة العطر.
تنكير كلمة {نَفْحَةٌ}: الدال على التقليل؛ أي أيّ نفحة يسيرة.
حرف التبعيض {مِنْ}: في قوله {مِّنْ عَذَابِ}؛ أي جزء ضئيل من العذاب.
ومع هذه القلة المتناهية، جاء الجواب مؤكداً بالقسم ونون التوكيد في قوله: {لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}! فكيف لو صب عليهم العذاب صباً وغمرتهم جهنم بجحيمها؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير الحكمة في التكرار: ورد هذا الاعتراف في الآية (14) في حق الأمم السابقة: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}، وتكرر هنا في حق مشركي قريش!
المحاكمة التفسيرية:
التكرار يقرر قانوناً نفسياً وسنّة إلهية عامة لا تتخلف في أي مستكبر؛ فالمتكبرون عبر كل العصور يتشابهون في عنادهم عند الرخاء، ويتشابهون في انكسارهم واعترافهم المخزي بالظلم عند مساس العذاب؛ فالطغيان واحد والنتيجة واحدة، وتكراره تأكيد على أن قريشاً لن تشذ عن مصير من قبلها من الأمم الغابرة.
يعتبر علماء البلاغة هذه الآية من أبدع شواهد القرآن على دقة توظيف ألفاظ التقليل والتلطيف لتوليد أثر التهويل والتعظيم؛ فالقليل من عذاب الله كفيل بكسر أعظم الجبابرة وإلجائهم إلى العويل.
إضافة العذاب إلى اسم الرب المضاف للنبي {عَذَابِ رَبِّكَ} فيه إيناس للنبي صلى الله عليه وسلم وإشعار بأن ربه سينتقم له ممن ظلمه وسخر منه.
الإشارة التدبرية: إذا كانت نفحة خفيفة من عذاب الله تصنع في المشركين هذا الهلع والانهيار، فكيف يطيق ضعيف مسكين عذاب جهنم وسلاسلها وأغلالها؟! فاللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استصغار قوة الباطل أمام قدرة الله: لا يهولن الداعية ضجيج الباطل وأسلحته الإعلامية والمادية؛ فإن كل تلك القوى تتهاوى وتصرخ بالويل إذا مسها أدنى عذاب من الله.
سؤال الله العافية والنجاة من العذاب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة صباحاً ومساءً؛ فالعبد لا طاقة له بأدنى سخط من ربه.
الاعتراف بالظلم والتوبة في زمن المهلة: النجاة الحقيقية أن يقول العبد: (يا رب إني كنت من الظالمين) وهو صحيح معافى مستغفر، فيتوب الله عليه ويغفر له.