تفسير الآية ودعاء زكريا في الكهولة بطلب الولد الوارث للدين: ينتقل السياق إلى نبي الله زكريا عليه السلام، مذكراً بمناجاته الخاشعة لربه حين تقدمت به السن واشتعل رأسه شيباً ووهن عظمه وكانت امرأته عاقراً لا تلد؛ فخاف أن يضيع ميراث النبوة والعلم والدعوة في بني إسرائيل من بعده، فرفع نداءه السري الخالص إلى الله سائلاً إياه هبة ولد صالح يرث مقامه النبوي في إقامة الشريعة: ربِّ لا تتركني وحيداً بلا ولد يعينني على أمر دينك ويخلفني في أمتي، وأنت خير الوارثين الباقي بعد فناء خلقك. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 535)مصدر غير محدد١٨/٥٣٥: «يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد عبدنا زكريا إذ نادى ربه ودعاه خفية: رب لا تذرني فرداً؛ أي لا تتركني وحيداً لا ولد لي ولا وارث يرثني علمي ونبوتي ويقوم بالدين بعدي، وأنت خير الوارثين: أثنى على ربه بأنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه، وأنه خير من يخلف الخير في خلقه؛ فجمع بين سؤال الولد المصلح وتفويض البقاء لله خير الوارثين».
الآثار في معنى (فرداً وخير الوارثين):
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «فرداً: أي وحيداً لا عقب لي يقوم بالدعوة والخدمة لبيت المقدس؛ وخير الوارثين: ثناء على الله بأنه الحي الذي لا يموت، وأن كل من سواه يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
فرداً: الفرد هو الواحد المنفرد الذي لا ثاني له ولا نصير ولا عقب له.
لا تذرني: من وذر يذر؛ أي لا تتركني وحيداً خلوفاً من الولد.
الوارثين: جمع وارث؛ والوارث الحقيقي للوجود كله هو الله تعالى الباقي بعد فناء العالمين.
الإعراب التركيبي:
وَزَكَرِيَّا: الواو عاطفة، (زكريا) مفعول به لفعل محذوف تقديره واذكر زكريا، منصوب بالفتحة المقدرة على الألف للتعذر (ممنوع من الصرف للعلمية وشبه العجمة أو ألف التأنيث الممدودة).
إِذْ: ظرف لما مضى من الزمان مبني في محل نصب بدل اشتمال أو متعلق باذكر.
نَادَىٰ: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على زكريا، والجملة مضاف إليه لـ (إذ).
رَبَّهُ: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
رَبِّ: منادى بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه.
لَا: ناهية جازمة (للدعاء والتضرع).
تَذَرْنِي: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مفعول به.
فَرْدًا: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من ياء المتكلم؛ أي لا تتركني كائناً فرداً بلا عقب.
وَأَنتَ: الواو حالية أو عاطفة، (أنت) ضمير منفصل مبتدأ.
خَيْرُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
الْوَارِثِينَ: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لحسن الثناء وتفويض الأمر لله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجريد الغاية في طلب الذرية: يكشف النظم القرآني البديع عن طهارة قصد الأنبياء في طلب الولد؛ فلم يكن طلب زكريا للذرية بدافع الفخر والخيلاء وكثرة الأموال، بل كان بدافع الخوف على شريعة الله ودين الأمة: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي} [مريم: 5]؛ فجاء قوله هنا: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} مكملاً لهذا المقصد؛ فختم دعاءه بإعلان أن الله هو خير الوارثين ليرسخ أنه إنما يطلب وارثاً يحمل أمانة الرسالة في أمة بني إسرائيل.
التناسب مع دعاء إبراهيم وأيوب: يستمر السياق في تصوير فاعلية الدعاء النبوي الخالص؛ فإبراهيم دعا فوهب له إسحاق ويعقوب نافلة، وأيوب دعا فكشف الله ضره، وزكريا دعا فأصلح الله له زوجه ووهب له يحيى في مظهر القدرة العظمى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب الولد مع استحالة الأسباب البيولوجية:
تقرير الإشكال في موازين الطب البشري: كيف يطلب زكريا ولداً وهو شيخ طاعن في السن (قارب المائة) وامرأته عاقر منذ صباها؟!
المحاكمة العقلية واليقين الإيماني:
زكريا لم يغب عن عقله ضعف الأسباب المادية، ولكنه استيقن بالقدرة الإلهية المطلقة التي لا تحدها النواميس؛ فالذي خلق الإنسان من قبل ولم يك شيئاً قادر على أن يخصب العاقر ويصلح رحمها ويعيد إليها شبابها وأنوثتها في طرفة عين؛ فكان طلبه برهاناً على قوة يقينه بربه وإيمانه بأن الله على كل شيء قدير.
التعقيب بـ {وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} غاية في الأدب والتوحيد؛ حتى لا يوهم سؤاله للولد تشبثاً بالبقاء الفاني، بل هو استسلام لمن له البقاء المطلق والوراثة الكونية.
الإشارة التدبرية: إذا أغلقت في وجهك أبواب الأسباب الدنيوية وقال لك الأطباء والناس: مستحيل، فقل بلسان زكريا: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}؛ فإن عطاء الله لا تحكمه تقارير الأطباء ولا حسابات العقول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء المأثور لطلب الذرية الصالحة: هذا الدعاء المبارك هدية قرآنية لكل عقيم ومحروم من الإنجاب: «رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ».
الهمّ الرسالي في طلب الأبناء: فليكن قصد المسلم في طلب الذرية تكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإخراج أجيال صالحة تنصر دين الله وتحمل راية التوحيد.
التسليم لعطاء الله ومنعه: الرضا بما قسم الله مع الأخذ بالدعاء والاستغفار؛ فالاستغفار مجلبة للولد والرزق.