تفسير الآية ومقام الإمامة في الدين وأركان الاستقامة: يصف الله تعالى منزلة هؤلاء الرسل المصطفين (إبراهيم وإسحاق ويعقوب)؛ فجعلهم أئمة وقدوات في الخير يُقتدى بهم في التوحيد والعمل الصالح، يهدون الناس إلى صراط الله المستقيم بأمر الله ووحيه وإذنه، وأوحى الله إليهم فعل الخيرات وأنواع البر كلها، وإقام الصلاة في أوقاتها بخشوعها، وإيتاء الزكاة لمستحقيها، وكانوا لله وحده خاضعين مخلصين في سائر عباداتهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 502)مصدر غير محدد١٨/٥٠٢: «يقول تعالى ذكره: وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة؛ أي قادة في الخير يُقتدى بهم ويهتدى بهديهم، يهدون الناس إلى طاعتنا وتوحيدنا بأمرنا إياهم بذلك وبوحينا إليهم، وأوحينا إليهم أن يفعلوا الخيرات من الطاعات والبر، ويقيموا الصلاة المفروضة بحدودها، ويؤتوا الزكاة الواجبة، وكانوا لنا عابدين: أي مخلصين العبادة لله وحده لا شريك له، لا يعبدون صنماً ولا وثناً».
الآثار في شروط الإمامة في الدين: قال قتادة وسفيان الثوري: «الإمامة في الدين رتبة لا تنال إلا بالصبر واليقين؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]؛ فصبروا على البلاء ويقنوا بالوحي فجعلهم الله أئمة للعالمين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أئمة: جمع إمام، وهو المقتدى به والمتبع في أقواله وأفعاله ونهجه؛ مأخوذ من أَمَّ يَؤُمُّ إذا قصد وتقدم.
يهدون بأمرنا: الهداية الدلالة والإرشاد والبيان؛ وقيدت بـ (أمرنا) أي بوحينا وتشريعنا وإذننا، لا بأهوائهم وآرائهم المجردة.
فعل الخيرات: استغراق لكل أصناف البر وأعمال الإحسان والطاعات.
إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: حذف تاء التأنيث في (إقام) تخفيفاً لملازمة الإضافة؛ وهو أداء الصلاة وإخراج الزكاة.
الإعراب التركيبي:
وَجَعَلْنَاهُمْ: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله ومفعوله الأول (هم).
أَئِمَّةً: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
يَهْدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب نعت لـ (أئمة).
بِأَمْرِنَا: الباء للسببية أو الملابسة، والجار والمجرور متعلق بـ (يهدون)، و(نا) مضاف إليه.
وَأَوْحَيْنَا: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
إِلَيْهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ (أوحينا).
فِعْلَ: مفعول به لـ (أوحينا) منصوب بالفتحة؛ بتضمين أوحينا معنى أمرنا أو ألهمنا؛ وهو مضاف.
المبادرة العملية بالأعمال الصالحة ونفع الخلق: {فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}.
إقامة الصلة الروحية بالخالق والمواظبة على العبادة: {وَإِقَامَ الصَّلَاةِ}.
أداء الواجب المالي والاجتماعي وتطهير النفوس: {وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ}.
ثم ختمت بتاج الإخلاص التام: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}؛ لبيان أن الإمامة لا تدعو إلى تقديس الذات، بل تدعو إلى تجريد العبودية لله وحده.
إضافة المصادر (فعل، إقام، إيتاء): التعبير بالمصادر يرسخ أن حياتهم كانت تطبيقاً عملياً مستمراً للفعل والبذل والعطاء، فلم يكونوا دعاة كلام وألسنة بل قادة عمل وقدوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القيادة السياسية الوضعية في مقابل الإمامة الربانية:
تقرير الفارق الجوهري:
ملوك الدنيا وقادتها يهدون بأهوائهم وقوانينهم الوضعية القاصرة ويسعون لتمجيد أنفسهم وتسخير الشعوب لمصالحهم؛ أما أئمة الهدى المذكورون هنا فإن هدايتهم محكومة بـ {بِأَمْرِنَا}؛ أي بالوحي الإلهي والعدل الرباني، وغايتهم نفع الخلق وربطهم بالله {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}؛ فكانت إمامتهم رحمة وعدلاً ونجاة للعالمين.
تقديم الجار والمجرور {لَنَا} على عامله {عَابِدِينَ} أفاد الحصر والقصر الخالص؛ أي لم يكونوا عابدين لشهواتهم ولا لملكهم ولا لأصنامهم، بل لله وحده.
التعبير بـ {فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} بصيغة الجمع المحلى بـ (أل) يستغرق سائر أبواب الإحسان والبر القلبي والبدني والمالي.
الإشارة التدبرية: لا يكون الرجل إماماً في الخير حتى يبدأ بنفسه فيفعل ما يأمر به؛ فإن الأفعال أبلغ من الأقوال، وهداية الناس بحسن السمت والعمل أسرع نفاذاً إلى القلوب من مجرد الوعظ والخطب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معالم القدوة والداعية الناجح: على الداعية أن يسبق الناس إلى فعل الخيرات وإقام الصلاة؛ فإن الناس ينظرون إلى عمله قبل قوله.
الارتباط الدائم بالصلاة والزكاة: الصلاة والزكاة عماد الدين؛ بهما تستقيم العلاقة مع الخالق ومع الخلق، وبدونهما تسقط كل دعوى للصلاح والإمامة.
تجريد الإخلاص لله في مقامات الصدارة: كلما ارتفعت منزلة العبد وصار قدوة للناس، كان أحوج إلى ترويض نفسه بلزوم مقام العبودية والتذلل لله: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}.