تفسير الآية وإحاطة لوط بالرحمة الإلهية الكبرى: يخبر الله جل وعلا عن حسن عاقبة نبيه لوط عليه السلام؛ فبعد أن أخرجه سالماً من بين أطباق العذاب النازل بقومه، غمره برحمته الواسعة وأدخله في حمايته وجنته ونبوته وكرامته في الدنيا والآخرة؛ معللاً هذا الإكرام بأنه كان من الصالحين المخلصين المصلحين. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 505)مصدر غير محدد١٨/٥٠٥: «يقول تعالى ذكره: وأدخلنا لوطاً في رحمتنا؛ أي في رحمتنا التي نرحم بها أولياءنا وأهل طاعتنا في الدنيا بنجاته، وفي الآخرة بإسكانه جنات النعيم، إنه من الصالحين: إنه كان من أهل الصلاح والتقوى، المطيعين لربهم، المنتهين إلى أمره ونهيه».
الآثار في سياق الرحمة والصلاح: قال قتادة وابن عباس: «أدخله في رحمته بنجاته من العذاب الذي خسف بقومه، وبإكرامه بالنبوة، وجعله مع آبائه الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أدخلناه: الإدخال في الشيء الصيرورة في جوفه ومستقره.
رحمتنا: الرحمة الإلهية العظيمة المحيطة للسلامة والكرامة والنبوة والجنة؛ وأضيفت إلى ضمير العظمة {رَحْمَتِنَا} تشريفاً وتعظيماً.
الصالحين: أهل الاستقامة والإخلاص القائمون بأمر الله.
الإعراب التركيبي:
وَأَدْخَلْنَاهُ: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
فِي رَحْمَتِنَا: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان أو متعلق بـ (أدخلناه)، و(نا) مضاف إليه.
إِنَّهُ: (إنّ) حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها يعود على لوط.
مِنَ الصَّالِحِينَ: جار ومجرور شبه جملة خبر (إنّ) في محل رفع؛ والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين مآل الطاهرين ومآل الخبثاء: تبرز روعة النظم القرآني في المقابلة بين الآيتين:
ولوط عليه السلام: {إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} فكان جزاؤه {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا}.
فبين أن مصير الإنسان ومستقره النهائي معلق بصلته بالله وبصلاحه أو فسقه.
الاستعارة التجسيمية في {فِي رَحْمَتِنَا}: لم يقل (ورحمناه)، بل قال: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا}؛ للدلالة على أن الرحمة أحاطت به من كل جانب كما يحيط الحصن المنيع بساكنه، فلا يصل إليه مكروه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ابتلاء الأنبياء بالعيش بين أهل المنكرات:
تقرير الحكمة في تكليف لوط بقرية سدوم:
تكليف لوط بالدعوة في تلك البيئة الخبيثة وصبره على أذاهم وتدافعهم عند بيته ومحاولتهم الاعتداء على ضيوفه كان أعظم تمحيص لصبره وجهاده؛ فنال بهذا الصبر أعظم الدرجات وأدخل في الرحمة المطلقة. فالابتلاء في البيئات الصعبة يعظم أجر المصلح إذا ثبت وصبر.