تفسير الآية وانتقام الطغيان بالعنف والنار: لما انقطعت حجة قوم إبراهيم وأفحمهم بالبرهان الساطع حتى قال لهم: {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، لجأوا إلى منطق العجز والبطش والاستبداد الذي يلجأ إليه كل مهزوم فكرياً؛ فتحالف نمرود وسدنة المعبد وأشراف القوم على إحراق إبراهيم حياً بأبشع وسيلة؛ نصرة لآلهتهم المكسورة بزعمهم. قال الإمام الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 492)مصدر غير محدد١٨/٤٩٢: «يقول تعالى ذكره: فلما لزمت قوم إبراهيم الحجة، وعجزوا عن الجواب، فزعوا إلى استعمال سلطان القهر والغلبة، وقال بعضهم لبعض: حرقوه بالنار، واجعلوه عبرة، وانصروا آلهتكم التي كسرها؛ أي ثأروا لآلهتكم منه بالانتقام والتحريق، إن كنتم فاعلين نصرتها وحمايتها».
من القائل (حرقوه)؟: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «القائل هو رجل من أكراد فارس يسمى هينون، وقيل: نمرود بن كنعان الجبار ملك بابل في ذلك الزمان؛ قال ابن عمر: خسف الله بذلك الرجل الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
حرقوه: التحريق هو المبالغة في الإحراق بالنار؛ وصيغة التضعيف (حرّق) تفيد التكثير والتشديد؛ أي أوقدوا عليه ناراً عظيمة تحرقه إحراقاً مفرطاً.
وانصروا آلهتكم: النصرة الإعانة والدفع والانتقام؛ وفي إضافتها للآلهة قمة المفارقة؛ إذ صار الخالق المعبود بحاجة إلى نصرة عابده المخلوق!
إن كنتم فاعلين: الفاعلون هنا هم الذين يقدمون على نصرة دينهم وحماية مقدساتهم بجد وعزم.
الإعراب التركيبي:
قَالُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
حَرِّقُوهُ: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
وَانصُرُوا: الواو عاطفة، وفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
آلِهَتَكُمْ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
إِن: حرف شرط جازم.
كُنتُمْ: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها.
فَاعِلِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وجواب الشرط محذوف تقديره: فحرقوه وانصروها؛ وجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سقوط القناع وبداية لغة الإرهاب المادي: تكشف الآية النقلة النفسية المعتادة لأهل الباطل؛ فحين سقطت حجتهم بالبرهان الساطع في الآيات السابقة، تحولوا مباشرة من ساحة المناظرة العقلية إلى ساحة الإرهاب والبطش الجسدي: {حَرِّقُوهُ}؛ لأن المستبد حين يعجز عن مقارعة الفكرة يلجأ إلى تصفية صاحبها جسدياً.
الفضيحة الذاتية في {وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ}: هذه العبارة شهادة إدانة خلدها القرآن؛ فكيف يُعبد إله يُنصر من عابده؟! فالإله الحق هو الذي ينصر عباده ويحميهم، أما الآلهة الباطلة فمستجدية للنصرة تطلب من الضعفاء أن يحموها من الفأس!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التحريق بالنار وشدة البلاء على خليل الرحمن:
تقرير الإشكال: لماذا مكن الله هؤلاء الطغاة من جمع الحطب وبناء البنيان لإحراق نبيه وخليله إبراهيم؟!
المحاكمة والبرهان الإلهي:
استنفاد أسباب القهر البشري لتظهر المعجزة الكبرى: لو أهلك الله نمرود وقومه قبل إيقاد النار، أو لو هرب إبراهيم من قبضتهم، لقالوا: لو ظفرنا به لأحرقناه؛ فتركهم الله يجمعون الحطب شهوراً ويبنون بنياناً هائلاً ويشعلون جحيماً تتطاير شراراتها كالقلاع، حتى ألقوه في لهيبها بالمنجنيق، وحينئذ نزل الأمر الإلهي الخارق لنواميس الكون؛ فكان الإنجاز برهاناً ساطعاً لا يمكن الشك فيه على قدرة الله وعجز النار وأهلها.
تمحيص العبودية وبلوغ مقام الخلة: إبراهيم في تلك اللحظة تجرد من كل سبب دنيوي، ورفع قلبه لربه قائلاً: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، فاستحق بذلك رتبة الخلة العظمى.
التعبير بـ {حَرِّقُوهُ} بصيغة التضعيف يحمل شحنة من الحقد والغيظ الأعمى؛ فلم يكتفوا بالقتل بالسيف أو الرجم، بل اختاروا أشنع الميتات؛ وهي الإحراق حياً ليتلذذوا بعذابه.
التعليق بالشرط {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أسلوب تحريضي يستفز حمية القوم ورجولتهم وعصبيتهم الدينية؛ كأنه يقول: إن كان فيكم ذرة من وفاء لآلهتكم فلا تقصروا في الانتقام من هذا الفتى!
الإشارة التدبرية: مهما بلغ بطش أهل الباطل وأشعلوا من نيران الاضطهاد للمصلحين، فإن كيدهم محكوم بأمر الله الذي يملك زمام النيران والأكوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن الابتلاء ضريبة الثبات على التوحيد: طريق الأنبياء والدعاة محفوف بالمكاره والمؤامرات؛ فالداعية يوطن نفسه على التضحية والصبر.
سقوط كل معبود يستجدي النصرة: البراءة من كل فكر أو طاغوت يحتاج إلى بنادق القمع ليثبت بقاءه في عقول الناس؛ فالحق يستند إلى البرهان والباطل يستند إلى السندان.
التجرد واللجوء إلى الله: في أحلك الأزمات لا ينفع إلا التوكل المحض على الله تعالى.