تفسير الآية وحجة إبراهيم العقلية الملزمة والتعريض البليغ: يطلق إبراهيم عليه السلام حجته الباهرة التي أربكت عقولهم وألجمت ألسنتهم؛ فلم يعترف اعترافاً مباشراً بالكسر، ولم ينفِ الحادثة كذباً، بل بنى جوابه على أسلوب التعريض والافتراض الجدلي الساخر المعتمد على وجود القرائن المشاهدة؛ فقال مشيراً إلى الصنم الأكبر السالم والفأس في عنقه: بل فعله كبيرهم هذا غيرة وغضباً من أن تعبدوا معه هذه الصغار، فإن كنتم تشكون في قولي فها هي أصنامكم فاسألوهم من كسرهم إن كانوا يقدرون على النطق والكلام! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 486)مصدر غير محدد١٨/٤٨٦: «يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم مجيباً لهم: بل فعله كبيرهم هذا؛ أراد بذلك إلزامهم الحجة على بطلان عبادتهم إياها؛ يقول: هذا الكبير غضب من أن تعبدوا هذه الصغار معه فكسرها، فاسألوهم إن كانوا ينطقون؛ أي سلوا هذه الأصنام المكسورة والكبير القائم عمن كسرها إن كانت تنطق وتتكلم وتخبركم بالحقائق؛ ليقروا بعجزها عن النطق والبيان فيلزمهم ضلالهم وسفاهة عقولهم في عبادتها».
حديث الكذبات الثلاث والتحقيق السلفي في قوله (بل فعله كبيرهم هذا):
روى البخاري (رقم 3358)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٥٨ ومسلم (رقم 2371)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٧١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ}، وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا}، وَقَوْلُهُ فِي سَارَةَ: هِيَ أُخْتِي».
قال أئمة التحقيق (كابن جرير الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير والقرطبي والخطابي): «تسميتها كذبات في الحديث هي من باب إطلاق الكذب على التعريض والتورية والمجاز بحسب الظاهر، وإلا فإبراهيم معصوم من تعمد الكذب؛ ومراده بالتعريض: إلزام الخصم الحجة بالفرض والتقدير والتبكيت؛ والمعنى: فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، فعلق الفعل على نطقهم الممتنع؛ وما عُلق على ممتنع فهو ممتنع، كقولك لصاحبك العاجز: هذا الخط البديع كتبته أنت إن كان الحمار طائراً في الهواء! فالمراد إبراز عجزهم لا الإخبار الكاذب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
بل: حرف إضراب إبطالي لسؤالهم، وانتقالي لميدان الحجاج وإلزام الحجة.
كبيرهم هذا: الإشارة بالاسم الحاضر إلى الصنم الضخم لتوثيق القرينة المحسوسة.
فاسألوهم: الفاء فصيحة، والأمر للتعجيز والإفحام.
ينطقون: النطق إخراج الصوت المشتمل على حروف تدل على معنى مفهم، وهو أخص من مجرد الصوت.
الإعراب التركيبي:
قَالَ: فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو.
بَلْ: حرف إضراب.
فَعَلَهُ: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم يعود على الكسر.
كَبِيرُهُمْ: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم مضاف إليه.
هَٰذَا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نعت لـ (كبيرهم) أو بدل منه.
فَاسْأَلُوهُمْ: الفاء فصيحة، و(اسألوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وهم مفعول به أول.
إِن: حرف شرط جازم.
كَانُوا: فعل ماض ناقص مبني في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمها.
يَنطِقُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كان؛ وجواب الشرط محذوف تقديره: فسيخبرونكم؛ أو الجملة الشرطية قيد لقوله: (فاسألوهم) أو لقوله: (فعله كبيرهم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام المصيدة المنطقية الخارقة: صاغ إبراهيم جوابه بذكاء رياضي برهاني لا مخرج منه للخصم؛ فوضعهم بين فكي كماشة:
إن قالوا: نعم، فعله كبيرهم وهو الذي كسرها، فقد اعترفوا بأن أصنامهم تتصارع ويهلك بعضها بعضاً، وأن الصغار عاجزة لم تدفع عن نفسها، فبطلت ألوهيتها.
وإن قالوا: كيف نَسأله وهو حجر لا ينطق ولا يتحرك ولا يفعل؟! فقد نطقوا بألسنتهم ببطلان عبادتهم وعجز معبودهم واعترفوا بجهلهم وسفاهة عقولهم!
التعليق بالشرط الممتنع {إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}: علق السؤال أو الفعل على نطقها، وهم يعلمون علماً قاطعاً أنها لا تنطق أبداً؛ فتحولت الحجة من اتهام لإبراهيم إلى إدانة ساحقة للآلهة وأصحابها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الكذب إلى إبراهيم عليه السلام:
تقرير الإشكال والشبهة عند الطاعنين: كيف ينسب النبي إبراهيم الفعل إلى الكبير وهو يعلم أنه هو الذي كسرها بيده؟!
المحاكمة البرهانية السنية الحاسمة:
أسلوب المحاكمة بالفرض والتنزل الجدلي (المعاريض): هذا الأسلوب معروف في لغة العرب وسائر لغات الحكماء؛ فالقائل لا يقصد الإخبار عن واقعة تاريخية كاذبة، بل يقصد التهكم وإلزام الخصم بالبرهان الساطع من واقع الحال؛ فالقرينة الحالية قائمة (الفأس في يد الكبير)، كأنه يقول: ما دامت الفأس في عنقه فادعوا عليه أنه الفاعل وسلوه ليخبركم إن كان إلهاً ينطق! فإسناد الفعل إليه إسناد تهكمي تعليقي مشروط بنطقهم: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}.
قاعدة المعاريض مندوحة عن الكذب: قال عمر بن الخطاب وابن عباس: «إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ». فإبراهيم استعمل التورية الذكية البالغة التي تورث اليقين وتسقط الشرك دون أن يدنس لسانه الشريف بكذبة تخدش العصمة.
استخدام الفاء الفصيحة في {فَاسْأَلُوهُمْ} ينقل المعركة مباشرة إلى الأصنام ويجعلها في موضع الاستجواب؛ فبدلاً من أن يحاكموا إبراهيم صاروا محكومين بمساءلة أصنامهم.
الجمع بضمير العقلاء في {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} مبالغة في التهكم؛ كأنه يعاملها معاملة الشهود الحاضرين في قاعة المحكمة!
الإشارة التدبرية: قوة الحجة والبيان الصادق تهزم أعتى قوى البطش والتسلط؛ فكلمات قليلة صاغها إبراهيم بيقين وحكمة هزت عروش بابل وحيرت ألوف الحاضرين وألجمتهم بالصمت المطبق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استخدام الذكاء والتعريض في نصرة التوحيد: يجوز للداعية والمجاهد عند الضرورة واستنقاذ الحق استخدام التورية الذكية والتعريض الذي يربك أهل الباطل ويظهر عوارهم.
التدرج في محاصرة الخصم بالمسلمات: إبراهيم قاد الخصوم بخطوات منطقية صارمة حتى نطقوا بالحق رغماً عنهم.
عظمة القرآن في توثيق المناظرات: القرآن الكريم أعظم مدرسة لتعلم أساليب الحوار العقلي الراشد والجدال بالتي هي أحسن.