تفسير الآية وإلقاء الأصنام وعابديها وقوداً لجهنم: يخاطب الله تعالى مشركي قريش وعبدة الأوثان في مشهد القيامة بخطاب التقريع والتبكيت الحاسم؛ مبيناً أنهم ومعبوداتهم التي عبدوها من دون الله من الحجارة والأصنام والأوثان سيكونون حصب جهنم؛ أي حطبها ووقودها الذي يقذف به فيها فتسجر وتلتهب بهم، وأنهم واردون في هذه النار لا محالة، مخلدون في عذابها. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 550)مصدر غير محدد١٨/٥٥٠: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين بالله: إنكم أيها المشركون وما تعبدون من دون الله من أصنامكم وأوثانكم التي اتخذتموها آلهة، حصب جهنم؛ يعني حطب جهنم ووقودها الذي تسجر به وتوقد، يقال في كلام العرب: حَصَبْتُ في النار حَصْباً إذا رميت فيها بالحطب والحجارة، أنتم لها واردون: أنتم إليها داخلون وصائرون إليها فماكثون فيها».
سبب النزول ومناظرة ابن الزبعرى:
روى الطبري وابن إسحاق وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلا هذه الآية في المسجد الحرام على قريش: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}، شق ذلك عليهم؛ فجاء عبد الله بن الزبعرى السهمي (وكان قبل إسلامه) فقال: يا محمد، أخاصة هذه الآية لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هِيَ لَكُمْ وَلِآلِهَتِكُمْ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ عَبَدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا»، فقال ابن الزبعرى مجادلاً: خصمتك ورب الكعبة! ألسنا نعبد الملائكة، واليهود يعبدون عزيراً، والنصارى يعبدون عيسى بن مريم؟! فإن كانت آلهتنا في النار فعيسى وعزير والملائكة معهم في النار! ففرحت قريش وضحكوا، فأنزل الله تعالى رداً عليه: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، ونزل قوله تعالى في سورة الزخرف: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57]؛ فبين أن الآية للأصنام والجمادات، وأن الأنبياء والصالحين منزهون مبعدون عن النار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
حصب جهنم: الحصب والحطب ما يرمى به في النار لإيقادها وتأجيجها؛ مأخوذ من الحصب وهو الرمي بالحجارة؛ وحصب البئر رماها بالحصباء.
واردون: اسم فاعل من ورد يرد وروداً؛ والورود الدخول والمخالطة ومباشرة الشيء.
ما تعبدون: (ما) لغير العاقل، وتختص بالأصنام والحجارة والأشجار المنحوتة؛ وهذا يقطع شبهة ابن الزبعرى لغوياً.
الإعراب التركيبي:
إِنَّكُمْ: (إنّ) حرف توكيد ونصب، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
وَمَا: الواو عاطفة، (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على اسم (إنّ).
تَعْبُدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف تقديره تعبدونه.
مِن دُونِ اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، واسم الجلالة مضاف إليه.
حَصَبُ: خبر (إنّ) مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
جَهَنَّمَ: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
أَنتُمْ: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
لَهَا: جار ومجرور متعلق بـ (واردون) قُدم للاهتمام.
وَارِدُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية استئناف بياني أو حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلحاق المعبود الباطل بالعابد في قعر الجحيم: من أبلغ أساليب النكاية والتبكيت بالعصاة أن يجمع الله بينهم وبين أصنامهم التي عبدوها في قعر جهنم؛ ليكون حضورها معهم أشد عذاباً لنفوسهم؛ إذ يرون بأعينهم تفاهة تلك الأحجار التي أوردتهم المهالك ولم تدفع عن نفسها حريق النار.
استعمال الاسم الموصول لغير العاقل {مَا}: اختار القرآن بدقة إعجازية لفظ {مَا} الدال على غير العاقل، ولم يقل: (ومن تعبدون)؛ ليقصر الحكم قطعاً على الأصنام والحجارة والتماثيل الصماء، فلا يتطرق اللفظ إلى عيسى وعزير والملائكة الكرام؛ فكان استعمال (ما) رداً لغوياً حاسماً قبل نزول آية التخصيص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إلقاء الحجارة والأصنام في النار وهي جمادات غير مكلفة:
تقرير الإشكال العقلي: لماذا تعذب الحجارة والأصنام وتلقى في جهنم وهي لا تعقل ولا تأثم؟!
المحاكمة والجواب الحكمي الراسخ:
إلقاء الأصنام في جهنم ليس عقاباً للأحجار ولا تعذيباً لها؛ لأنها جماد لا تحس ولا تكلف، وإنما هو لثلاث حكم جليلة:
إهانة المشركين وتبكيتهم وإظهار حسرتهم: ليرى المشرك معبوده محترقاً مسجوراً كالفحم فيزداد غماً على غمه وحسرة على كفره؛ كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}.
إظهار عجز الآلهة الباطلة بالعيان: فإذا رآها عابدوها لا تدفع النار عن نفسها انقطعت كل أوهام الشفاعة في قلوبهم بالكلية.
زيادة تسعير جهنم وتأجيج لهيبها: فالأحجار إذا أوقدت عليها النار كانت أشد حرارة وإحراقاً من الحطب العادي: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24].
تشبيههم والأصنام بـ {حَصَبُ جَهَنَّمَ} يحمل غاية التحقير والإهانة؛ فالحصباء الحصى الصغير الذي يُرمى به في قاع الحفرة بلا مبالاة ولا كرامة؛ فصُيِّر الطغاة وأصنامهم كالحصى المرمي في أتون النار المستعرة.
التعبير بـ {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} يقرر حتمية الدخول ومباشرة العذاب دون أدنى مهرب.
الإشارة التدبرية: كل ما تعلقت به النفس من زهرة الدنيا وشهواتها وأهوائها معصية لله فإنه ينقلب عليها عذاباً وحسرة ووقوداً للألم؛ فلا تعلق قلبك إلا بربك الواحد الأحد لتنجو من حصب النيران.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بسقوط كل معبود باطل: الآلهة المزعومة والأيديولوجيات المنحرفة التي استُعبدت من دون الله ستتهاوى في مزابل التاريخ وتلقى في قعر الجحيم مع أتباعها.
الرد على الشبهات بالقواعد اللغوية المحكمة: استثمار الدلالات اللغوية الدقيقة لدفع مغالطات المبطلين والمستشرقين (كاستعمال ما لغير العاقل).
الخوف من عذاب جهنم وسعيرها: تذكر حرارة الحجارة والناس في النار يورث الخشية ويدفع إلى تجريد التوحيد والاستعاذة الدائمة بالله من عذاب النار.