تفسير الآية والاستجواب القضائي المباشر: بعد أن مثل إبراهيم عليه السلام في ساحة المجمع الحاشد أمام الجموع وأمام أصنامهم المكسورة، وجه إليه رؤساء القوم وسدنتهم السؤال الاتهامي المباشر بحزم واستنكار: أأنت يا إبراهيم الذي ارتكبت هذا التحطيم الشنيع بآلهتنا ومعبوداتنا؟! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 485)مصدر غير محدد١٨/٤٨٥: «يقول تعالى ذكره: فلما أُتي بإبراهيم على أعين الناس ووقف أمامهم، قالوا له استنطاقاً واعترافاً: أأنت فعلت هذا الكسر والتحطيم بآلهتنا يا إبراهيم؟! يسألونه عما أقدم عليه ليعترف بلسانه فيقيموا عليه العقوبة بمشهد من الناس».
الآثار في سياق السؤال: قال السدي ومجاهد: «كان السؤال تقريرياً لإقامة الحجة القضائية عليه أمام الملأ؛ لئلا يقول قائل: عاقبتموه بغير اعتراف ولا بينة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أأنت: همزة الاستفهام دخلت على ضمير المخاطب المنفصل للتقرير وتعيين الفاعل.
بآلهتنا: تكرار نسبة الأصنام إلى أنفسهم تعصباً لها واستعطافاً للملأ.
يا إبراهيم: نداء باسمه الصريح للدلالة على توجيه الاتهام لشخصه واستنطاقه.
الإعراب التركيبي:
قَالُوا: فعل ماض وفاعله.
أَأَنتَ: الهمزة للاستفهام التقريري والتحقيقي، و(أنت) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
فَعَلْتَ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (أنت).
هَٰذَا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (فعلت).
بِآلِهَتِنَا: جار ومجرور متعلق بـ (فعلت)، و(نا) مضاف إليه.
يَا إِبْرَاهِيمُ: (يا) حرف نداء، و(إبراهيم) منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب؛ وجملة الاستفهام وما اتصل بها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التأزيم والمواجهة الدرامية الحية: يبلغ الحوار القرآني هنا قمة ذروته الدرامية والبرهانية؛ فالمحاكمة قائمة، والشهود حاضرون، وحطام الأصنام ملقى في الساحة، وإبراهيم يقف بمفرده في مواجهة السؤال المصيري: {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}؛ ليمهد النظم القرآني لأعظم وأذكى جواب تفحيمي سُجل في تاريخ المناظرات العقلية.
تقديم الضمير {أَأَنتَ} على الفعل {فَعَلْتَ}: لم يقولوا: أفعلت هذا يا إبراهيم؟ بل قالوا: {أَأَنتَ فَعَلْتَ}؛ لتركيز بؤرة الاستنكار على ذات إبراهيم وخصوصيته؛ كأنهم يقولون: هل بلغ بك التمرد والاستخفاف أن تكون أنت بالذات هو الفاعل دون سائر قومك؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العجز الجمعي عن حماية الآلهة:
تقرير التناقض النفسي عند القضاة المشركين:
السؤال نفسه يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً مخزياً؛ فهم يسألون بشراً شاباً: هل حطمت آلهتنا؟! فلو كانت آلهة حقيقية لكان الواجب أن تنتقم هي لنفسها وتصعقه في حينه وتخبرهم بوحيها عمن كسرها؛ فمجرد لجوء المشركين إلى التحقيق الجنائي البشري والبحث عن الجاني ينسف فكرة ألوهية الأصنام وعلمها وقدرتها.
الاستفهام التقريري بالهمزة مع تقديم ضمير الفاعل يفيد تضييق الخناق على المتهم في ظنهم لإحراز اعتراف سريع.
تكرار النداء باسمه {يَا إِبْرَاهِيمُ} يحمل نبرة الجدية والصرامة القضائية والتأكيد على شخصنة المعركة بينه وبين الآلهة.
الإشارة التدبرية: ما أضعف الباطل حين يلجأ إلى المحاكمات والبطش ليحمي نفسه! وما أعظم الموحد حين يقف هادئاً كالجبل الأشم لا ترتعد له فرائص لأنه متصل بالحي القيوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات والهدوء في مواطن المحن والاستجواب: المؤمن الصادق إذا وقف أمام الطغاة والمحققين امتلأ قلبه بالسكينة، مستحضراً معية الله وعظمته.
تسمية الأشياء والتريث في الجواب: الاستعداد لإلقاء الحجة المفحمة في اللحظة الحاسمة لتحويل مجرى الحوار لصالح التوحيد.
الاعتماد على وضوح المبدأ: لا يضطرب صاحب الحق؛ لأن منهجه صلب وبنيانه متين، أما صاحب الباطل فمرتبك ولو كان في منصب القاضي.