تفسير الآية والوعيد الحاسم لدعوى الألوهية: يقرر الله جل وعلا قاعدة العدالة والتوحيد الصارمة التي لا تحابي أحداً من الخلق؛ فلو فرض فرضا ممتنعا أن أحدا من هؤلاء الملائكة المقربين ادعى الألوهية لنفسه أو دعا الناس لعبادته من دون الله، لكان جزاؤه الإلقاء في نار جهنم مخلداً فيها مهاناً، وهكذا يجزي الله كل من ظلم وافترى وتجاوز حده بالشرك. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 441)مصدر غير محدد١٨/٤٤١: «يقول تعالى ذكره: ومن يقل من هؤلاء الملائكة الذين وصفتهم بما وصفتهم به: إني معبود وإله من دون الله أستحق العبادة مع الله أو دونه، فذلك القائل منهم نجازيه جهنم على قيله وافترائه وظلمه، وكذلك نجزي الظالمين: أي ومثل ذلك الجزاء نجزي كل من ظلم فوضع العبادة في غير موضعها وادعى ما ليس له من حق الألوهية والربوبية».
من عني بهذه الآية من الملائكة؟:
قال قتادة وابن عباس ومجاهد: الآية على سبيل الفرض والشرط؛ لبيان أنه لو قال أحد من الملائكة ذلك لعذب؛ كقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]، مع علم الله بعصمتهم واستحالة وقوع ذلك منهم.
وقال ابن جريج وعكرمة وغيرهما: عُني به إبليس لعنه الله؛ فإنه كان من جند السماء وادعى لنفسه الطاعة المطلقة ودعا إلى عبادة نفسه، فجزاه الله جهنم وطرده من رحمته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
من دونه: أي سواه أو بدلاً منه متجاوزاً حده.
فذلك: اسم إشارة للبعيد إشعاراً بعظيم جرمه وبُعده عن مواطن الرحمة.
جهنم: اسم من أسماء دار العذاب، وهي مشتقة من الجهومة وهي الغلظة والظلمة وتجهم الوجه، أو من بئر جهنام وهي العميقة القعر، وقيل: لفظ أعجمي عُرّب.
الظالمين: المشركين المتجاوزين لحدود الحق والمساوين بين الخالق والمخلوق.
الإعراب التركيبي:
وَمَن: الواو استئنافية، (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
يَقُلْ: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
مِنْهُمْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل (يقل).
إِنِّي: (إنّ) حرف توكيد ونصب، والياء اسمها.
إِلَٰهٌ: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِّن دُونِهِ: جار ومجرور نعت لـ (إله)، والهاء مضاف إليه؛ والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
فَذَٰلِكَ: الفاء واقعة في جواب الشرط، (ذا) اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
نَجْزِيهِ: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
جَهَنَّمَ: مفعول به ثان منصوب بالفتحة؛ وجملة (نجزيه جهنم) خبر المبتدأ (ذلك)، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ (مَن).
كَذَٰلِكَ: الكاف حرف جر وتشبيه، و(ذا) اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لـ (نجزي).
نَجْزِي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل نحن.
الظَّالِمِينَ: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام التعميم المحيط للعدالة الإلهية: بعد أن بالغ في مدح الملائكة وتنزيههم ووصف طاعتهم المطلقة وخوفهم، ختم هذا المقطع ببيان أنه لا حصانة لأحد أمام شرع التوحيد وحرمة الألوهية؛ فحتى الملائكة المقربون أصحاب الدرجات العلى لو تفوه أحدهم بدعوى الألوهية لأُلقي في جهنم؛ فكيف يطمع مشركو الأرض من الإنس في النجاة وهم يعبدون الأصنام ويشركون بالرحمن؟!
الربط بين الشرك والظلم المطلق: ختم الآية بـ {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} ليبين العلة الجامعة لاستحقاق عذاب جهنم؛ وهي الظلم؛ وأعظم الظلم هو الشرك بالله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الشرك أو المعصية من الملائكة المعصومين:
تقرير الإشكال: هل يستلزم قوله: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ} إمكانية أن يقول الملائكة ذلك ويكفروا؟
المحاكمة العقلية والتحقيق السني:
أسلوب التعليق الشرطي لبيان عظم الحكم: التعليق بالشرط لا يقتضي إمكان الوقوع في الواقع؛ فالأداة (مَن) الشرطية و(لو) تستعمل لبيان شدة العقوبة وبشاعة الجرم على تقدير مستحيل، كما قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، وقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}؛ فتعليق الحكم بالشرط مبالغة في تحقيق التنزيه وإبراز صرامة العدل، مع القطع بأن الملائكة معصومون مفطورون على طاعة الله لا يعصونه أبداً.
سقوط كل طمع في وساطة متمردة: الآية تقطع دابر كل وثنية؛ فإذا كان الملك المقرب لا ينجو من جهنم إن ادعى الألوهية، فكيف يزعم عابد أنه يتخذ الملك شريكاً أو شفيعاً يمنعه من عذاب الله؟!
صياغة الشرط والجزاء الحاسم {وَمَن يَقُلْ ... فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} يحمل إيقاعاً رادعاً تنخلع له القلوب وتتساقط أمامه كل دعاوى العظمة المخلوقة.
وضع الظاهر موضع المضمر في {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} للإشعار بأن ادعاء الألوهية عين الظلم، وأن جزاء جهنم سنة مطردة في حق كل ظالم متكبر.
الإشارة التدبرية: من نازع الله في ردائه وهو الكبرياء أو إزاره وهو العظمة قصمه الله وقذفه في النار؛ فاحذر يا ابن آدم أن تستكبر في الأرض أو تدعي لنفسك سلطاناً فوق شرع الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المساواة المطلقة أمام العدل الإلهي: دين الله لا يحابي أحداً؛ ولا نسب ولا جاه ينفع عند الله بغير التوحيد والعمل الصالح.
الحذر من نزغات الكبر والعجب والرياء: كل رغبة في استعباد الناس أو طلب التقديس والتعظيم هي ريح خبيثة من دعوى الألوهية الخفية؛ فالواجب على الداعية والمسلم لزوم التواضع ومقام المسكنة والعبودية.
الخوف من مآل الظلم والشرك: جهنم هي المآل المحتوم لكل من تجاوز حده وظلم؛ فنجاة العبد محصورة في التمسك بحبل التوحيد الخالص لله رب العالمين.